آخر الأخبار

بحيرة في أفريقيا تحول الحيوانات إلى تماثيل.. كيف يفسر العلم ذلك؟

شارك

هل سمعت يوما بميدوسا، التي كانت تحول ضحاياها إلى حجر بمجرد نظرة واحدة؟ قد تكون مجرد أسطورة، لكن هناك مكانا حقيقيا تبلغ خطورته حدا يجعلك ترى حيوانات تبدو وكأنها تحولت إلى تماثيل حجرية.

إنها بحيرة ناترون الواقعة في شمال تنزانيا، التي لفتت الأنظار على نطاق واسع لأول مرة عام 2013، عندما نشر المصور نيك براندت سلسلة من الصور بالأبيض والأسود القاتم في كتابه عن الحياة البرية الآخذة في الاختفاء بشرق أفريقيا، أظهرت طيورا وخفافيش تبدو وكأنها متجمدة في أوضاعها على امتداد الشاطئ.

وعلى الرغم من أن الصور أثارت موجة واسعة من الدهشة والافتتان، وأن تأثيرات البحيرة توحي بما هو خارق للطبيعة، فإن العلم الكامن وراء بحيرة ناترون يروي قصة قد تكون أغرب من أسطورة ميدوسا.

مصدر الصورة أكشيتا رابديا تراقب طيور الفلامنجو على شاطئ بحيرة ناترون (بول ماكنزي)

تركيبة كيميائية فريدة

تقع بحيرة ناترون في واحدة من أكثر مناطق تنزانيا قسوة، وتُعزى طبيعتها العدائية بدرجة كبيرة إلى الجيولوجيا والظروف الفريدة التي شكلتها.

كما هو الحال مع البحر الميت، ترتبط هذه البحيرة بنهر واحد فقط أُغلق طبيعيا، ولا تتصل بأي بحر أو نهر يصب خارجها، ما يسمح بتجميع كل الأملاح التي تحملها أمطار الصحراء.

تقول أكشيتا رابديا، الباحثة من منظمة "نيتشر تنزانيا" المعنية بالحفاظ على البيئة والحياة البرية في تنزانيا، إن "البحيرة تتغذى أساسا من الينابيع الحارة الغنية بالمعادن ومن نهر إيواسو نغيرو"، مضيفة في حديثها للجزيرة نت أن "طبيعتها الهيدرولوجية المغلقة تعني أن المياه الداخلة إليها لا تجد منفذا للخروج إلا عبر التبخر، الذي يؤدي -في ظل المناخ شبه الجاف والقاسي- إلى تركيز الأملاح والمعادن القلوية إلى مستويات قد تكون قاتلة لمعظم الكائنات الحية".

لكن ما يجعل هذه البحيرة أكثر فتكا هو قربها الشديد من النشاط البركاني في المنطقة، وهو السر الحقيقي وراء طبيعتها الكيميائية الفريدة، حيث تقذف البراكين المحيطة، مثل بركان أول دوينيو لنغاي النشط، خليطا منصهرا من أملاح كربونات الصوديوم وكربونات الكالسيوم.

مصدر الصورة تقع بحيرة ناترون في واحدة من أكثر مناطق تنزانيا قسوة (أكشيتا رابديا)

وتوضح رابديا أن "خليط الأملاح المعدنية الذي اُشتق منه اسم البحيرة يعرف باسم الناتروكربوناتيت، أو النطرون اختصارا، وهو في الأساس نوع من كربونات الصوديوم، وعند امتزاجه بمعدن الترونا يصبح المكون الرئيسي للترسبات الملحية التي تتشكل في البحيرات خلال جميع الفترات تقريبا باستثناء أكثر المواسم رطوبة".

إعلان

ووفقا لمرصد الأرض التابع لوكالة ناسا، ينتقل هذا الخليط عبر أنظمة الصدوع الأرضية قبل أن يخرج إلى السطح عبر أكثر من 20 نبعا حارا تصب جميعها في البحيرة، وعندما تختلط هذه المركبات بالمياه، فإن مزيج كربونات الصوديوم وبيكربونات الصوديوم الناتج عنها يشكل نفس المواد الأساسية التي استخدمها المصريون القدماء في عمليات التحنيط، ما يجعل البحيرة أشبه بمادة حافظة عملاقة في هيئة مسطح مائي.

يُضاف إلى ذلك أن المنطقة المحيطة بالبحيرة شديدة الحرارة وتسودها أجواء شديدة الجفاف إلى درجة أن معدلات التبخر عادة ما تتجاوز باستمرار كمية الأمطار المتساقطة، ما يؤدي إلى تشكل كتلة مائية فائقة الملوحة، أو ما يُعرف علميا بـ" هايبرسلاين".

كما أن مياه البحيرة الحمراء الدموية شديدة الحرارة قد تصل حرارتها إلى 60 درجة مئوية، خاصة خلال مواسم الجفاف عندما تكون معدلات التبخر في ذروتها. وعند هذه الدرجات، تكفي ثوان معدودة داخل المياه لإحداث حروق من الدرجة الثالثة.

لكن ذلك ليس أسوأ ما في الأمر. فالمياه شديدة القلوية أيضا، نتيجة احتوائها على كميات هائلة من مركب النطرون الكيميائي، وقد يتجاوز الأس الهيدروجيني فيها مستوى 10.5، وهي درجة تقترب كثيرا من قلوية الأمونيا، ما يخلق ظروفا تماثل المواد الصناعية الكاوية.

مصدر الصورة تستخدم طيور الفلامنغو بحيرة ناترون باعتبارها واحدة من أكثر مناطق التكاثر انتظاما وأهمية على مستوى العالم (أكشيتا رابديا)

حياة وموت على ضفاف البحيرة

رغم أن البيئة تبدو شديدة العدائية بالنسبة إلى معظم الكائنات الحية التقليدية، فإن بعض الكائنات استطاعت استغلال هذه الظروف القاسية لصالحها. من بينها نوع من أسماك البلطي يُعرف علميا باسم ألكولابيا لاتيلابريس، تكيف للعيش في المياه القلوية شديدة الحرارة.

كما قد تمتلئ البرك الصغيرة شديدة الملوحة بكائنات دقيقة تُعرف باسم "الهالوأركيا"، وهي كائنات محبة للملح، تزدهر في المياه القلوية، وتمنح المياه الضحلة ألوانها الوردية والحمراء المميزة، وهو تفصيل غاب تماما عن صور براندت بالأبيض والأسود، التي تخفي حقيقة الحياة في البحيرة ومحيطها.

وتجذب هذه الكائنات الدقيقة بدورها بعض الحيوانات، وأبرزها طيور الفلامنغو القزم، التي تستخدم ضفاف البحيرة باعتبارها موقع التكاثر المنتظم الوحيد لها في شرق أفريقيا، حيث يعتمد نحو ثلاثة أرباع تجمعات الفلامنغو الإقليمية على البحيرة خلال دورات التكاثر، وتتغذى على طحالب "سبيرولينا" الوفيرة، مستفيدة في الوقت نفسه من قسوة البيئة التي تبعد المفترسات.

وتشير رابديا إلى أن أهمية البحيرة لهذا الطائر المصنف قريبا من التهديد في شرق أفريقيا، يرجع تحديدا إلى ظروفها القاسية، فما يبدو بيئة عدائية لمعظم الأنواع يعمل في الواقع كحاجز حماية طبيعي للفلامنغو. إذ إن الملوحة المرتفعة، والقلوية الشديدة، والطين غير المستقر، ودرجات الحرارة المرتفعة، كلها عوامل توفر له حماية طبيعية نسبيا من المفترسات، وتحد بدرجة كبيرة من الاضطرابات البشرية في مناطق التعشيش.

أما بالنسبة للحيوانات الأخرى، فلا تمنحها البحيرة أي فرصة مماثلة للتكيف مع مياهها الحارة والمالحة والقلوية. فالطيور المهاجرة كثيرا ما ترتطم بسطح البحيرة، ربما لأن انعكاس المياه الشديد يجعلها تعتقد أنها قادرة على الطيران عبرها.

إعلان

ولم تكن الطيور وحدها ضحية هذا الوهم البصري. ففي عام 2007، تعرض طيار مروحية تقل مجموعة من مصوري الحياة البرية للحالة نفسها، حيث فقد السيطرة على طائرته بعدما أربكه سطح البحيرة الذي يشبه المرآة بدرجة هائلة، ما أدى إلى سقوطها وتحطمها في المياه.

وتؤكد الباحثة أنه لا يمكن اعتبار أن بحيرة ناترون تمثل فخا قاتلا للطيور على نحو فريد كما تُصورها بعض الروايات المنتشرة على الإنترنت، مضيفة أن هذه الظاهرة تُفهم من منظور علمي على أنها مزيج من الارتباك البيئي وضغوط الهجرة والافتراس وأخطاء الملاحة الجوية، وليس نتيجة خصائص خارقة للطبيعة أو قدرة قاتلة فريدة للبحيرة ذاتها.

مصدر الصورة طيور الفلامنغو القزم تستفيد من قسوة البحيرة لردع معظم المفترسات (أكشيتا رابديا)

التحجر بين الأسطورة والتفسير العلمي

تبدو فكرة "التحول إلى حجر" أكثر تعقيدا مما تبدو عليه في صور براندت القاتمة، التي تجعل البحيرة تبدو وكأنها متحف حي تسقط فيه الحيوانات داخل المياه لتتحول فورا إلى حجر، لكن الحقيقة أن هذه الحيوانات لم تتحجر فعليا، بل إن بقايا الريش والأنسجة ما تزال واضحة على أجسادها.

وتؤكد رابديا أن "الحيوانات لا تتحول حرفيا إلى حجر، بل تتعرض لعملية تحنيط ناتجة عن الكيمياء القلوية للبحيرة وترسب الأملاح والجفاف السريع"، وتوضح أن "ما يحدث فعليا هو أن المياه شديدة القلوية والغنية بالمعادن تساعد على حفظ الجثث بصورة استثنائية، عبر مزيج من ترسب المعادن والتغليف الملحي والجفاف السريع، ما يمنحها مظهرا يشبه البقايا المتكلسة أو المحنطة".

وتضيف أنه "عندما تنفق الحيوانات داخل البحيرة أو قربها، فإن القلوية الفائقة للنطرون قد تعيق عمليات التحلل الطبيعية من خلال امتصاص الرطوبة والدهون بكفاءة عالية والحد من النشاط البكتيري وإبطاء تفكك الأنسجة. ومع مرور الوقت، يمكن للترسبات المعدنية الناتجة عن التبخر أن تتراكم فوق الريش أو الجلد أو الأسطح المكشوفة، ما يمنح البقايا مظهرا صلبا وشاحبا يجعلها تبدو وكأنها تماثيل حجرية".

أما السبب في أن الحيوانات النافقة تبدو في صور براندت وكأنها سقطت داخل المياه وتحولت فورا إلى حجر بمجرد ملامستها للبحيرة، فهو ببساطة أن المصور جمعها وأعاد ترتيبها بعناية فوق مواقعها الداكنة، ولم يعثر عليها في تلك الوضعيات الدرامية المنتصبة، لأن سطح البحيرة ليس على ما يبدو النسخة المائية من نظرة ميدوسا الأسطورية.

ورغم أن صور براندت توحي بمكان ميت تحكمه الأساطير، فإن بحيرة ناترون ما تزال نظاما بيئيا فريدا نابضا بالحياة، لكنه يواجه تهديدات صناعية وبيئية متزايدة. ومع خطط إنشاء سد ومصنع لاستخراج رماد الصودا، قد يتغير هذا الموطن الهش، وربما تختفي معه أسراب الفلامنغو التي جعلت من البحيرة مشهدا طبيعيا استثنائيا في أفريقيا.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا