تتلاشى آمال آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة مع إعلان الجهات الرسمية فشل تسيير موسم الحج للعام الثالث على التوالي، نتيجة استمرار حرب الإبادة الإسرائيلية وإغلاق المعابر الحدودية. وتعيش المسنة حنان الهمص حالة من الإحباط بعدما كانت ضمن قوائم المختارين للسفر منذ عام 2024، لكن سيطرة جيش الاحتلال على معبر رفح حالت دون تحقيق حلمها الإيماني.
ومع انطلاق قوافل الحجاج من الضفة الغربية المحتلة نحو الأراضي المقدسة، يتضاعف شعور الحرمان لدى أهالي القطاع الذين يراقبون ضياع أدوارهم في القرعة السنوية. ويسود القلق أوساط كبار السن والمرضى الذين انتظروا سنوات طويلة لأداء الفريضة، خاصة مع رحيل العشرات منهم دون أن يتمكنوا من زيارة بيت الله الحرام.
وتروي الحاجة الهمص من خيمتها المنصوبة فوق أنقاض منزلها المدمر شمال القطاع، كيف أن الاحتلال لم يكتفِ بقتل نجلها وتشريد عائلتها، بل أمعن في عقابهم بحرمانهم من الشعائر الدينية. وتؤكد أنها كانت تتابع بلهفة أي بصيص أمل لفتح المعابر، إلا أن التعنت الإسرائيلي كان يحبط كل المحاولات والجهود المبذولة لتأمين سفرهم.
من جانبه، أكد رامي أبو ستيتة، مدير عام الحج والعمرة بوزارة الأوقاف أن استمرار إغلاق معبر رفح منذ مايو 2024 جعل من المستحيل البدء بالإجراءات اللوجستية لموسم الحج. وأوضح أن ترتيبات الموسم تتطلب تعاقدات مبكرة للسكن والنقل في السعودية ومصر، وهو ما تعذر إنجازه في ظل الظروف الأمنية والسياسية الراهنة.
وأشار أبو ستيتة إلى أن نحو 3 آلاف حاج من غزة يُحرمون سنوياً من هذا الحق، بما في ذلك البعثات الإدارية ومكرمة ذوي الشهداء التي تشمل 500 مقعد. وأفادت مصادر بأن حصة القطاع جرى توزيعها بشكل استثنائي على الغزيين المقيمين في الشتات ومصر، لضمان عدم ضياع الحصة الفلسطينية الإجمالية بالكامل.
وكشف المسؤول في وزارة الأوقاف عن إحصائية مؤلمة تشير إلى وفاة 71 مواطناً من المقبولين في قرعة الحج وهم على قوائم الانتظار خلال فترة الحرب. وترك هذا الواقع آثاراً نفسية قاسية على العائلات التي كانت تأمل أن يختم ذووهم حياتهم بأداء الركن الخامس من أركان الإسلام قبل رحيلهم.
وفي مؤتمر صحفي عُقد بمدينة غزة، استنكر المتحدث باسم وزارة الأوقاف أمير أبو العمرين استمرار منع قرابة 10 آلاف فلسطيني من الحج على مدار السنوات الثلاث الأخيرة. ووصف هذا المنع بأنه انتهاك صارخ لحرية العبادة التي تكفلها القوانين الدولية والشرائع السماوية، مطالباً بتدخل دولي عاجل لفتح المعابر.
ووجهت الوزارة نداءات عاجلة إلى المجتمع الدولي والمملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية للضغط على الاحتلال لتمكين سكان القطاع من السفر. وشدد أبو العمرين على ضرورة تحييد الملفات الإنسانية والدينية عن التجاذبات السياسية والعسكرية، وضمان حق الفلسطينيين في ممارسة شعائرهم بحرية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أوضح رئيس جمعية شركات الحج والعمرة محمد الأسطل أن قطاع السياحة الدينية تعرض لضربة قاصمة نتيجة العدوان المستمر. وأكد أن نحو 90% من مكاتب الشركات في غزة تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، مما أدى إلى توقف نشاط 78 شركة كانت تعتمد كلياً على مواسم الحج والعمرة.
وتسبب توقف هذه المواسم في فقدان أكثر من 1500 موظف لمصادر دخلهم الوحيدة، في ظل أزمة اقتصادية خانقة يعيشها القطاع. وأرجع الأسطل تعطل الموسم الحالي إلى رفض سلطات الاحتلال تقديم أي ضمانات أمنية تضمن خروج الحجاج وعودتهم بسلام عبر المعابر التي تسيطر عليها.
ولمواجهة هذا الواقع، لجأت الجهات المختصة إلى خطة بديلة شملت تسجيل الفلسطينيين من أبناء غزة المقيمين في الخارج، حيث تمكن نحو 720 شخصاً من استكمال إجراءاتهم. ويتوزع هؤلاء الحجاج بين المقيمين في الأراضي المصرية ودول أوروبية وعربية أخرى، ممن يحملون الهوية الفلسطينية الرسمية.
وبموجب اتفاق رسمي بين لجنة الحج ومجلس الوزراء، جرى تحويل نحو 1800 اسم من حصة غزة إلى حجاج الضفة الغربية والقدس بصفة مؤقتة. ويتضمن الاتفاق تعويض قطاع غزة بهذه الأعداد في المواسم المقبلة فور تحسن الأوضاع الميدانية وفتح المعابر، لضمان الحفاظ على الحقوق التاريخية لمواطني القطاع.
وفي سياق متصل، بدأت قوافل الحجاج من الضفة الغربية والقدس وأراضي الـ48 بالوصول إلى المدينة المنورة ومكة المكرمة خلال الأسبوع الماضي. ويبلغ إجمالي الحجاج المغادرين من هذه المناطق نحو 12 ألف حاج، وسط إجراءات تنسيقية لتسهيل عبورهم، بينما يبقى معبر رفح مغلقاً في وجه حجاج غزة.
ويبقى مشهد الحرمان في غزة سيد الموقف، حيث يرقب الأهالي صور الحجاج في الحرم المكي بقلوب يعتصرها الألم والشوق. وتستمر المناشدات الحقوقية بضرورة كسر الحصار الديني المفروض على القطاع، والذي يمنع آلاف المسنين من إتمام رحلتهم الإيمانية الأخيرة قبل فوات الأوان.
المصدر:
القدس