في قلب مدينة إسطنبول التركية، يقف 'المتحف الفلسطيني' كحصن منيع للهوية وحائط صد أمام محاولات محو التاريخ وتزييف الوعي. يدير هذا الصرح الثقافي إبراهيم العلي، الذي يسعى من خلاله إلى تقديم رواية فلسطينية متماسكة تواجه المشروع الإحلالي الذي يعمل على انتزاع أصحاب الأرض وإحلال الغرباء مكانهم.
تتزامن أهمية هذا المتحف مع مرور 78 عاماً على النكبة الفلسطينية، في وقت يعيش فيه الشعب الفلسطيني فصولاً جديدة من التهجير والإبادة في قطاع غزة والضفة الغربية. إن المعروضات لا تكتفي بكونها قطعاً صامتة، بل هي شهادات حية توثق الحق الفلسطيني الضارب في عمق التاريخ منذ آلاف السنين.
داخل 'غرفة الحكاية'، يخوض المتحف حرب الرواية عبر تفنيد واحدة من أكبر الأكاذيب التاريخية وهي فرية 'بيع الفلسطيني لأرضه'. تبدأ هذه الرحلة التاريخية من الحضارة النطوفية التي تعود إلى 14 ألف عام قبل الميلاد، وصولاً إلى التطورات الميدانية والسياسية المعاصرة التي تشهدها الأراضي المحتلة.
يستعرض المتحف خرائط تفصيلية توضح التآكل الممنهج للأراضي الفلسطينية، حيث كانت ملكية الفلسطينيين تزيد عن 94% قبيل عام 1947، لتنحسر تدريجياً بفعل الاحتلال. هذه الخرائط تمثل دليلاً بصرياً قاطعاً على أن الصراع في جوهره هو صراع وجود ورواية تاريخية لا تقبل القسمة.
تجسد 'الزنزانة الانفرادية' داخل المتحف معاناة آلاف الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وهي مستوحاة من تجربة الأسير حسن سلامة. تضع هذه المحاكاة الزائر في قلب القهر الإنساني، مستندة إلى تفاصيل ذكرها سلامة في كتابه الشهير الذي يوثق آلاف الأيام التي قضاها في عالم البرزخ خلف القضبان.
وفي جناح 'الشهداء ليسوا أرقاماً'، يركز المتحف على الجانب الإنساني لضحايا حرب الإبادة الحالية في قطاع غزة، موثقاً أسماء الأطفال والصحفيين والأطباء. يهدف هذا الجناح إلى تحويل الأرقام الصماء في تقارير الأخبار إلى قصص إنسانية تعكس حجم المأساة والجرائم المرتكبة بحق المدنيين.
تتميز مقتنيات المتحف بأنها 'شهود عيان' مادية تم جمعها من مخيمات الشتات، مثل قالب كعك خشبي حملته عائلة مهجرة من مخيم عين الحلوة عام 1948. هذه الأدوات البسيطة، من أوانٍ نحاسية وعقود زواج صدرت في حيفا عام 1942، تثبت أن المجتمع الفلسطيني كان منظماً ومستقراً قبل وقوع الكارثة.
يؤكد مؤسس المتحف أن هذه المقتنيات التراثية، بما تشمله من فنون التطريز والمطبخ الفلسطيني كالمقلوبة والمنسف، هي أطول عمراً من عمر الاحتلال نفسه. وتعد هذه القطع رداً مباشراً على محاولات السرقة الثقافية التي يمارسها الاحتلال لنسب التراث الفلسطيني لنفسه أمام المجتمع الدولي.
يعرض المتحف أيضاً وثائق 'الكوشان' التي تثبت ملكية الأرض والدار، بالإضافة إلى جوازات السفر الفلسطينية القديمة التي سبقت قيام كيان الاحتلال. كما يخصص ركناً للعهد العثماني، مستذكراً مواقف السلطان عبد الحميد الثاني الذي رفض المساومة على فلسطين رغم الضغوط الدولية الكبيرة في ذلك الوقت.
تختتم الجولة في 'المضافة الفلسطينية' حيث يجتمع الزوار من مختلف الجنسيات حول جرن القهوة، في مشهد يجسد وحدة القضية الفلسطينية واعتبارها قضية الأمة المركزية. وتبرز 'المفاتيح' التي يحتفظ بها اللاجئون كرمزية قوية للإصرار على حق العودة الذي ينتقل من الأجداد إلى الأحفاد.
تشير أحدث الإحصائيات الواردة في المتحف إلى أن عدد الفلسطينيين حول العالم وصل إلى 15.5 مليون نسمة بحلول عام 2026. ويتوزع هذا العدد بين 7.4 ملايين داخل فلسطين التاريخية و8.1 ملايين في الشتات، مما يؤكد أن الشعب الفلسطيني رغم التهجير لا يزال متمسكاً بجذوره وعدده في تزايد مستمر.
المصدر:
القدس