خلص المؤرخ الإسرائيلي المقيم في الولايات المتحدة، البروفيسور عومر بارطوف، في كتابه الجديد الصادر بالإنجليزية بعنوان 'إسرائيل: ما الخطأ الذي حدث'، إلى أن إسرائيل ارتكبت وترتكب جريمة إبادة جماعية في قطاع غزة. وأوضح بارطوف، وهو باحث متخصص في جرائم الإبادة أن ما يلاحظه داخل القطاع يندرج تماماً تحت تعريفات ميثاق الأمم المتحدة لعام 1948، مما يضع الدولة أمام مأزق أخلاقي وقانوني وتاريخي غير مسبوق.
ويشغل بارطوف منصب أستاذ كرسي دراسات الهولوكوست والإبادة الجماعية في جامعة براون الأمريكية، ويُعد من أكثر العلماء استشهاداً بأعمالهم في هذا المجال عالمياً. وقد أثار استنتاجه ضجة واسعة في الأوساط الأكاديمية والمجتمعات اليهودية، خاصة وأنه ينطلق من خلفية صهيونية نشأ فيها، قبل أن يصل إلى قناعة بأن الأيديولوجيا الصهيونية قد استنفدت غرضها وتحولت إلى أداة للقمع.
وفي حديثه لوسائل إعلام، كشف بارطوف عن الصعوبات التي واجهها لنشر كتابه باللغة العبرية داخل إسرائيل، حيث رفضت دور النشر، بما فيها المحسوبة على اليسار، تبني الكتاب في الوقت الحالي. وأشار إلى أن الكتاب سيصدر بثماني لغات عالمية، بينما يواجه حصاراً فكرياً في المجتمع الإسرائيلي الذي يرفض مواجهة الحقائق القاسية حول ممارسات جيشه في غزة.
ويرى المؤرخ أن الصهيونية كأيديولوجيا دولة تخلت عن إمكانية بناء دولة طبيعية لمواطنيها، وتحولت إلى نظام عسكري وتوسعي يتسم بالعنصرية والعنف المتطرف. وحذر من أن استمرار هذا النهج سيحول إسرائيل إلى دولة 'أبارتهايد' كاملة، مما سيؤدي في النهاية إلى هجرة النخب المتعلمة وبقاء السكان في دولة معزولة ومنبوذة دولياً.
وتوقع بارطوف أن تفقد إسرائيل دعم حلفائها الأكثر أهمية في أوروبا والولايات المتحدة، اللتين بدأتا تريان في السياسات الإسرائيلية خطراً على مصالحهما بدلاً من كونها درعاً لهما. وأكد أن هذا التحول ليس نتاجاً لمعاداة السامية كما يروج البعض، بل هو نتيجة مباشرة لأفعال إسرائيل التي نزعت الشرعية عن حججها الوجودية التاريخية.
وبالنسبة لاستخدام الهولوكوست في الخطاب السياسي، أوضح بارطوف أن المحرقة أصبحت 'الصمغ' الذي يوحد المجتمع الإسرائيلي ويستخدم لتبرير أي فعل عسكري كتهديد وجودي. وانتقد تسييس هذا الحدث التاريخي، مؤكداً أنه لا يمكن أن يكون الرد على الهولوكوست بارتكاب إبادة جماعية أخرى بحق شعب آخر، مشدداً على أن هذا المنطق لا يمكنه الصمود أخلاقياً.
وفيما يتعلق بأحداث السابع من أكتوبر، وصف بارطوف ما قامت به حماس بأنه جريمة حرب، لكنه أكد في الوقت ذاته أن المقاومة المسلحة للاحتلال والحصار هي فعل مشروع بموجب القانون الدولي. وقارن بين سعي الفلسطينيين لتقرير المصير وبين حركات المقاومة التاريخية، معتبراً أن إسرائيل فشلت عسكرياً في القضاء على حماس رغم تدميرها الشامل لقطاع غزة.
ووجه المؤرخ انتقادات حادة للإدارة الأمريكية، وتحديداً الرئيس بايدن ووزير خارجيته بلينكن، معتبراً أنهما لم يفعلا شيئاً حقيقياً لوقف الحرب. وأكد أن واشنطن كانت تملك القدرة على إنهاء الصراع في غضون ساعات عبر ممارسة ضغط جدي على الحكومة الإسرائيلية، لكنها اختارت الصمت والمشاركة في استمرار الكارثة.
وربط بارطوف بين ما يحدث اليوم ونكبة عام 1948، مشيراً إلى أن المنطق الحالي في غزة هو التطهير العرقي عبر التدمير المنهجي. وأوضح أنه عندما فشلت محاولات تهجير السكان لعدم وجود مكان يفرون إليه، انتقل الاحتلال إلى خيار القتل الجماعي، وهو ما يمثل جوهر جريمة الإبادة الجماعية التي تُمارس الآن بدم بارد.
وكشف بارطوف عن رصده لظهور 'ميليشيات' داخل الجيش الإسرائيلي تعمل وفق أوامر مسيحانية ودينية متطرفة بعيداً عن التراتبية العسكرية التقليدية. وأشار إلى أن هذه الوحدات تتلقى صلوات وتوجيهات غير إنسانية قبل المعارك، مما يعكس تغلغل الفكر المتطرف في أجهزة الأمن والشرطة والشاباك بشكل غير مسبوق في تاريخ الدولة.
واعتبر المؤرخ أن المجتمع الإسرائيلي يشهد تحولاً جذرياً نحو 'دين سياسي' يمزج بين الصهيونية وتفسيرات مسيحانية متطرفة تعود جذورها للحاخام كوك. هذا التحول يخلق شرخاً عميقاً مع يهود العالم، وخاصة في أمريكا، الذين يجدون صعوبة متزايدة في التوفيق بين قيمهم الليبرالية وبين دعم دولة تمارس جرائم إبادة علنية.
وحذر بارطوف من خطورة تحويل 'معاداة السامية' إلى سلاح سياسي لإسكات أي صوت ينتقد إسرائيل، مؤكداً أن هذا السلوك يخدم معاداة السامية الحقيقية في نهاية المطاف. وأشار إلى أن الاحتجاجات الطلابية في الجامعات الأمريكية كانت في جوهرها ضد الحرب، وليست نابعة من كراهية دينية، رغم محاولات التشويه الممنهجة التي تعرضت لها.
وفي ختام رؤيته، أشار بارطوف إلى أن إسرائيل بتمثيلها المزعوم ليهود العالم، تقدم 'أفضل ذريعة' لانبعاث القوى العنصرية في الغرب. وحذر من أن القادة القادمين في الولايات المتحدة قد يقطعون العلاقة الوثيقة مع إسرائيل إذا استمرت في كونها عبئاً أخلاقياً وسياسياً، مما يضع مستقبل وجودها في خطر حقيقي.
يُذكر أن عومر بارطوف هو ابن الكاتب حانوخ بارطوف الحائز على 'جائزة إسرائيل'، وقد شارك بنفسه في حرب عام 1973 كجندي في الجيش الإسرائيلي. انتقاله للعمل الأكاديمي في الولايات المتحدة منذ عام 1989 منحه رؤية نقدية أوسع مكنته من تفكيك الأساطير التي تقوم عليها السياسة الإسرائيلية المعاصرة في تعاملها مع القضية الفلسطينية.
المصدر:
القدس