سلطت تقارير صحفية عبرية الضوء على الشخصية القيادية الجديدة لجيش الاحتلال في الضفة الغربية، الجنرال آفي بلوط، واصفة إياه بـ 'مهندس العنف المنظم'. وتأتي هذه القراءة لتعكس تحولاً جوهرياً في النهج العسكري الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين في المناطق المحتلة.
يعد بلوط أول قائد عسكري لهذا المنصب ينحدر من خلفية استيطانية صرفة، حيث نشأ وتلقى تعليمه في مدرسة 'عيلي' الدينية العسكرية المعروفة بتطرفها. هذا التعيين لم يكن مجرد إجراء إداري روتيني، بل مثل خطوة استراتيجية تهدف إلى دمج الفكر الاستيطاني بالمنظومة العسكرية الرسمية.
تقوم رؤية القائد الجديد على إبقاء مدن وقرى الضفة الغربية في حالة احتكاك دائم ومستمر مع قوات الاحتلال. ويهدف هذا التكتيك إلى خلق توتر يومي يحول الحياة الفلسطينية إلى ساحة مواجهة مفتوحة، دون الانزلاق بالضرورة إلى حرب شاملة قد تخرج عن السيطرة.
تشير المعطيات إلى أن معدلات قتل الفلسطينيين في عهد بلوط سجلت أرقاماً قياسية لم تشهدها الضفة منذ عام 1967. ومع ذلك، تحاول القيادة العسكرية تسويق هذه العمليات بوصفها 'عنفاً موزوناً' يستهدف فقط من تصفهم بالمتورطين عبر إطلاق نار دقيق ومحسوب.
تعتمد استراتيجية الاحتلال الحالية على تعريفات فضفاضة لمصطلح 'المتورط'، مما يمنح الجنود ضوءاً أخضر لاستهداف أي فلسطيني. هذا الغموض في المعايير يحول كل مواطن فلسطيني إلى هدف محتمل، ويشرعن عمليات القتل الميداني تحت غطاء الانضباط العسكري.
إلى جانب القوة العسكرية، يتم توظيف العامل الاقتصادي كأداة ردع قاسية ضد السكان، حيث تستغل سلطات الاحتلال معدلات البطالة المرتفعة. وتدفع الضائقة المعيشية العمال الفلسطينيين للمخاطرة بعبور الفتحات الجدارية، مما يجعلهم أهدافاً سهلة لسياسات التنكيل الممنهجة.
ابتكر بلوط ما يمكن تسميته بسياسة 'الشواهد العرجاء'، والتي تعتمد على تعمد إصابة العمال الفلسطينيين في أطرافهم السفلية. الهدف من ذلك ليس القتل المباشر دائماً، بل ترك عاهة مستديمة في جسد المصاب لتكون رسالة ترهيب حية لكل من يحاول تجاوز أوامر الاحتلال.
تؤكد المصادر أن منظومة السيطرة الإسرائيلية تعمل على إدارة العنف بعناية فائقة لتصويره أمام المجتمع الدولي كفعل 'شرعي'. وتعتبر القيادة العسكرية أن أي خروج عن هذه القواعد من قبل المستوطنين قد يهدد هذه الشرعية المزعومة ويقوض احتكار الدولة للقوة.
من أجل الحفاظ على هذا التوازن الدقيق، يحاول بلوط ضبط المبادرات الفردية للمستوطنين ومنع اعتداءاتهم العشوائية التي قد تفجر الأوضاع. ومع ذلك، يلاحظ أنه يتجنب الصدام المباشر معهم خشية الإخلال بما يسمى 'نظام التفوق اليهودي' داخل المؤسسة العسكرية.
تتجنب القيادة العسكرية في الضفة القيام بمهامها القانونية في كبح جماح المستوطنين المتطرفين، مبررة ذلك بتداعيات اجتماعية وسياسية داخلية. وفي المقابل، تضاعف الضغط على الجانب الفلسطيني لضمان حالة من 'الانضباط القسري' تحت وطأة السلاح والترهيب.
يرى بلوط أن المشكلة في العنف الذي يمارسه المستوطنون ليست في جوهره، بل في كونه يجري خارج إطار إدارة الدولة الرسمية. فهو يسعى لمأسسة هذا العنف ووضعه تحت إشراف الجيش لضمان استمرارية السيطرة على الأرض عبر البؤر الاستيطانية والمزارع.
يتحول القائد العسكري في هذا السياق إلى 'منظم للعنف المتقن'، حيث يحدد بدقة من يحق له استخدام القوة وتحت أي ظروف. ويطالب بلوط بمنحه الصلاحيات الكاملة لممارسة هذا الدور دون تدخلات سياسية أو قانونية قد تعيق رؤيته الأمنية المتطرفة.
في نهاية المطاف، تعكس سياسة بلوط رغبة إسرائيلية في محو الفوارق بين التعامل العسكري في غزة والضفة الغربية. وتكرس هذه الاستراتيجية واقعاً يقوم على القمع الهيكلي الذي يمزج بين القتل الممنهج، والترهيب الجسدي، والابتزاز الاقتصادي لضمان خضوع الشعب الفلسطيني.
المصدر:
القدس