آخر الأخبار

الفلسطينيون في وادي السيليكون: من التفوق التقني إلى اللوبي ا

شارك

مع اقتراب الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة في مايو 2026، يتصاعد النقاش في أروقة مراكز الأبحاث حول قدرة الشتات الفلسطيني في وادي السيليكون على تحويل تفوقهم البرمجي إلى رافعة سياسية صلبة. يأتي هذا في وقت تتبنى فيه الإدارة الأمريكية سياسات داعمة للاستيطان، معتمدة على تحالفات عميقة مع شركات الأمن السيبراني وتحليل البيانات الكبرى.

يرى خبراء أن الحديث عن المقاومة الرقمية لم يعد ترفاً أكاديمياً، بل تحول إلى ضرورة استراتيجية تتطلب خلق لوبي تقني فلسطيني يشتبك مع واشنطن بلغة المصالح. الهدف هو الانتقال من مجرد الاحتجاج التقليدي إلى ممارسة ضغط حقيقي ينبع من مراكز البيانات التي تصنع القرار الاستراتيجي العالمي.

يؤكد الدكتور طارق دانا، الباحث في الاقتصاد السياسي أن المأزق الحالي يكمن في استمرار العمل الفردي المشتت للكفاءات الفلسطينية داخل كبرى شركات التكنولوجيا. ويصف دانا هذه الحالة بـ 'الاغتراب التقني'، داعياً إلى تحول جذري من دور الموظف المهني إلى دور الفاعل السيادي المؤثر في السياسات العامة.

ويضيف دانا أن وجود فلسطينيين في مفاصل شركات أشباه الموصلات يمنح القضية فرصة تاريخية لتعطيل الرواية الاستيطانية تقنياً. فالرقائق الإلكترونية هي المحرك لكل التكنولوجيا الحديثة، وامتلاك الخبرة فيها يرفع كلفة التواطؤ التقني مع الاحتلال ويفرض حقائق جغرافية جديدة على أنظمة الرصد.

من جانبه، يرى رجاء الخالدي، مدير معهد 'ماس' أن رواد الأعمال الفلسطينيين في أمريكا يمثلون قوة اقتصادية نائمة لم تُستغل بعد لمواجهة سياسات الاستيطان. ويشير الخالدي إلى أن هؤلاء الرواد يديرون شركات بمليارات الدولارات، مما يمنحهم القدرة على التحدث بلغة الربح والتنافسية التي تفهمها الإدارات الأمريكية.

ويقترح الخالدي بناء لوبي مالي تقني يربط بوضوح بين الاستثمارات الضخمة في قطاع التكنولوجيا ومدى التزام واشنطن بوقف قضم الأراضي في الضفة الغربية. إن تحويل نماذج الابتكار المحلية إلى شبكة ضغط عالمية عابرة للحدود يمكن أن يجعل الاعتراف بالدولة الفلسطينية شرطاً لاستقرار التعاون التقني الدولي.

رغم هذه الطموحات، تواجه هذه الرؤية تحديات جسيمة تتعلق بالارتهان الوظيفي وقوانين الشركات الصارمة في الولايات المتحدة. فالتعبير عن مواقف سياسية مناهضة لسياسات واشنطن قد يؤدي إلى 'نفي مهني قسري'، مما يدفع الكثيرين لتفضيل المقاومة الصامتة على المواجهة الصريحة.

مفتاح العودة لم يعد رمزاً معدنياً يحمله اللاجئ، بل أصبح كلمة مرور برمجية محصنة تفتح أبواب السيادة من قلب كاليفورنيا.

ويبرز تحدي التغلغل المضاد كعقبة رئيسية، حيث تشير مصادر إلى أن اللوبي الداعم للاحتلال شريك مؤسس في العديد من شركات وادي السيليكون. هذا التغلغل يخلق بيئة عمل معادية سياسياً لأي تكتل فلسطيني ناشئ، ويجعل من الصعب توجيه الثروات نحو عمل سياسي منظم دون مخاطر قانونية.

الباحثة نور عرفة تنبه إلى خطورة الصراع في مجال الأمن السيبراني، حيث يتطلب بناء أدوات رصد مستقلة مواجهة مباشرة مع عمالقة تحليل البيانات. وتؤكد عرفة أن الحفاظ على نزاهة البيانات الفلسطينية يتطلب بنية تحتية تقنية لا تتوفر حالياً بشكل جماعي، مما يستدعي تحالفاً عابراً للقارات.

وتعتبر عرفة أن معركة عام 2026 هي معركة تشفير وسيادة على البيانات بامتياز، تهدف لحماية الخريطة الرقمية من التزييف. وتطرح فكرة بناء 'سحابة سيادية' للشتات الفلسطيني تمنح الرواية الوطنية حصانة رقمية ضد الحذف أو التلاعب الذي تمارسه منصات التواصل الكبرى والشركات المنحازة.

إن امتلاك المهندسين الفلسطينيين القدرة على تطوير أدوات حوسبية مستقلة هو الكفيل بحماية المستقبل السياسي للقضية من التبخر المعلوماتي. فالدولة التي تعترف بها الخوارزميات المفتوحة وتوثقها البيانات اللحظية يصبح من المستحيل سياسياً تجاوزها في أي معادلات مستقبلية للشرق الأوسط.

تبرز في هذا السياق أسماء فلسطينية لامعة مثل تشارلي كواس في شركة Broadcom، وجمانة موافي في Synopsys، وأندرو دعدوم في قطاع الرعاية الصحية. هؤلاء يمثلون أطرافاً محتملة في اللوبي المفترض، والرهان يظل على قدرتهم في تحويل نجاحاتهم الفردية إلى فعل جمعي منظم يخدم القضية.

تختم التقارير بالتأكيد على أن الزمن لا يعمل لصالح الانتظار في ظل الهيمنة التقنية المتزايدة والمدعومة سياسياً من أطراف دولية. بناء اللوبي التقني الفلسطيني في الشتات هو المسار المتبقي لحماية الأرض والهوية من التغييب الرقمي، وفرص فرض الاعتراف بالدولة ككيان متصل جغرافياً ومعلوماتياً.

في نهاية المطاف، لم يعد مفتاح العودة مجرد رمز معدني قديم، بل تحول إلى كلمة مرور برمجية محصنة تفتح أبواب السيادة. إن رسم خريطة فلسطين التي لا تستطيع الخوارزميات محوها يبدأ من قلب مراكز التكنولوجيا في كاليفورنيا، حيث تصاغ ملامح المستقبل الرقمي والسياسي للعالم.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا