تستحضر الذاكرة الفلسطينية اليوم سيرة الزميلة شيرين أبو عاقلة، التي نالت لقب أيقونة الصحافة بجدارة بعد مسيرة حافلة بالعطاء. لقد قضت شيرين برصاصة إسرائيلية غادرة أثناء تغطيتها لاقتحام مخيم جنين في الحادي عشر من أيار عام 2022، لتختتم رحلة دامت أكثر من عقدين في نقل الحقيقة.
لم تكن شيرين مجرد مراسلة عابرة، بل كانت صوتاً صدح بالحق الفلسطيني في وجه الماكينة الإعلامية الإسرائيلية المضللة. تنقلت بين ميادين المواجهة المختلفة، متحدية كافة المخاطر المحدقة بالصحفيين، حتى أصبحت جزءاً أصيلاً من الوجدان الشعبي المرتبط بعدالة القضية ومظلومية الشعب.
إن مشهد التشييع المهيب الذي حظيت به شيرين كان بمثابة شهادة تقدير وعرفان من الشعب الفلسطيني لدورها البارزي. لقد تحولت جنازتها إلى تظاهرة وطنية كبرى، أكدت أن الرسالة التي حملتها ستبقى خالدة في ضمائر الأحرار ولن تمحوها رصاصات الغدر.
يمثل اغتيال أبو عاقلة محاولة فاشلة لإرهاب فرسان الإعلام الفلسطيني وثنيهم عن أداء واجبهم المهني والوطني. ورغم استهدافها، إلا أن الرواية الفلسطينية واصلت تقدمها في المحافل الدولية، بينما تترنح رواية الاحتلال أمام الحقائق الدامغة التي ينقلها الصحفيون من الميدان.
إن هذا الاستهداف الممنهج لم يتوقف عند شيرين، بل هو جزء من سجل حافل بالجرائم الإسرائيلية ضد الكلمة الحرة. تشير الإحصائيات إلى أن عدد شهداء الحركة الإعلامية الفلسطينية منذ عام 2000 قد وصل إلى نحو 310 صحفيين، قضوا وهم يؤدون واجبهم.
لقد شهد قطاع غزة منذ تشرين الأول 2023 أكبر مذبحة في تاريخ الصحافة العالمية على يد قوات الاحتلال. حيث أفادت مصادر حقوقية وإعلامية باستشهاد أكثر من 260 صحفياً وصحفية خلال العدوان الوحشي المستمر، في محاولة واضحة لطمس معالم الجرائم المرتكبة.
لم تكتفِ قوات الاحتلال بالقتل المباشر، بل عمدت إلى تدمير البنية التحتية للإعلام الفلسطيني بشكل واسع. فقد جرى استهداف وتدمير مقار مئات المؤسسات الإعلامية خلال عدوان أيار 2021، وتكرر الأمر بشكل أكثر عنفاً في العدوان الحالي على غزة.
رغم هذا الإرهاب والترهيب، لم تنل هذه الجرائم من عزيمة وإرادة الصحفيين الفلسطينيين الذين واصلوا رسالتهم دون وجل. لقد انحاز هؤلاء الفرسان لواجبهم المهني، مدركين أن ثمن نقل الحقيقة قد يكون حياتهم، لكنهم آثروا استكمال المسيرة التي بدأتها شيرين ورفاقها.
إن محاولات الاحتلال المستمرة للتنصل من مسؤولية اغتيال شيرين أبو عاقلة باءت بالفشل أمام التنديد الدولي الواسع. فالشواهد والأدلة التي قدمتها المؤسسات الحقوقية كانت أكثر من أن تُحصى، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمحاسبة القتلة.
يجب أن تترجم حالة الحب والغضب التي تفجرت إثر جريمة اغتيال شيرين إلى تحرك قانوني فاعل على الساحة الدولية. إن ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين في المحاكم الجنائية هي الخطوة الضرورية لضمان عدم تكرار هذه المذابح بحق الطواقم الإعلامية.
تظل سيرة شيرين أبو عاقلة منارة تلهم الأجيال الجديدة من الصحفيين الفلسطينيين لمواصلة فضح عنصرية الاحتلال. إنها دعوة دائمة لكل فرسان الإعلام لمواصلة دورهم الريادي في خدمة القضية الوطنية وتعرية الوجه القبيح للاحتلال أمام العالم أجمع.
إن الوفاء لدماء الشهداء من الصحفيين يتطلب توحيد الجهود النقابية والحقوقية لتوثيق كل انتهاك إسرائيلي. فالمعركة اليوم هي معركة رواية، وقد أثبت الإعلام الفلسطيني قدرته على كسر الحصار الإعلامي الذي يحاول الاحتلال فرضه منذ عقود.
وفي ظل التقدم الواضح للرواية الفلسطينية، تبرز أهمية استحضار سجل الاحتلال الإجرامي في كل المحافل. إن دماء شيرين ورفاقها في غزة والضفة هي التي رسمت حدود الحقيقة التي لا يمكن لأي قوة غاشمة أن تطمسها أو تزيفها.
ختاماً، ستبقى شيرين أبو عاقلة شوكة في حلق الاحتلال، حية في ذاكرة شعبها، ورمزاً لا ينكسر للصحافة الحرة. إن رسالتها التي عمدتها بالدم ستظل أمانة في أعناق كل من يحمل الكاميرا والقلم دفاعاً عن فلسطين وحريتها.
المصدر:
القدس