سلط الكاتب الأمريكي نيكولاس كريستوف الضوء على ممارسات العنف والاغتصاب الجنسي واسعة النطاق التي يتعرض لها الفلسطينيون في سجون الاحتلال الإسرائيلي. وأكد كريستوف في تقرير مطول استند فيه إلى مقابلات ميدانية في الضفة الغربية أن هذه الانتهاكات تتم على أيدي حراس السجون والجنود والمحققين، داعياً إلى ضرورة إدانة هذه الممارسات بشكل قاطع من كافة الأطراف الدولية.
واعتمد الكاتب في توثيقه على شهادات حية لـ 14 فلسطينياً وفلسطينية، تحدثوا بمرارة عن تعرضهم لاعتداءات جنسية قاسية خلال فترات الاعتقال والتحقيق. ولم يكتفِ كريستوف بهذه الشهادات، بل عزز تقريره بمقابلات مع محامين وعاملين في منظمات إغاثية ومحققين دوليين للتحقق من دقة الروايات التي أدلى بها الضحايا حول ما يجري خلف القضبان.
ومن بين الشهادات الأكثر إيلاماً التي أوردها المقال، برزت رواية الصحفي الفلسطيني سامي الساعي الذي اعتُقل في عام 2024. ووصف الساعي كيف تعرض للتجريد من الملابس والضرب المبرح والاعتداء بأدوات مختلفة وسط سخرية الحراس، مؤكداً أن الهدف من هذه الممارسات كان تحطيمه نفسياً للضغط عليه للعمل كمخبر لصالح الاستخبارات الإسرائيلية.
وأشار كريستوف إلى أنه رغم عدم وجود أدلة على صدور أوامر مباشرة بالاغتصاب من القيادة العليا، إلا أن السلطات الإسرائيلية مسؤولة عن خلق بيئة من 'اللاإنسانية'. ويرى الكاتب أن سياسة الإفلات من العقاب المتبعة تمنح الضوء الأخضر للعناصر الأمنية لارتكاب هذه الجرائم دون خوف من الملاحقة القانونية أو المحاسبة القضائية.
وفيما يخص الدور الأمريكي، وجه الكاتب انتقادات حادة لواشنطن، معتبراً أن أموال دافعي الضرائب الأمريكيين تساهم بشكل مباشر في دعم المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. وأوضح أن الولايات المتحدة تصبح شريكة في هذا العنف إذا لم تربط مساعداتها العسكرية بوقف الانتهاكات الجنسية وضمان وصول الصليب الأحمر للمعتقلين الفلسطينيين بشكل منتظم.
واستشهد التقرير ببيانات أممية صادرة في عام 2025، وصفت العنف الجنسي بأنه بات جزءاً من 'الإجراءات المعتادة' في تعامل إسرائيل مع الفلسطينيين. كما لفت إلى تقارير المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان التي خلصت إلى أن العنف الجنسي المنهجي أصبح ممارسة منتشرة داخل نظام الاعتقال الإسرائيلي ولا يقتصر على حالات فردية.
وتحدث المعتقلون في شهاداتهم عن أنماط متكررة من الانتهاكات، شملت التفتيش العاري القسري والضرب المتعمد على الأعضاء التناسلية والتهديد المستمر بالاغتصاب. وأكد عدد من المفرج عنهم أنهم تلقوا تهديدات مباشرة من السلطات الإسرائيلية لمنعهم من الحديث للإعلام أو المنظمات الحقوقية عما واجهوه من إهانات جنسية داخل الزنازين.
وعلى صعيد حماية الطفولة، نقل الكاتب عن منظمة 'أنقذوا الأطفال' نتائج استطلاع صادم أظهر أن أكثر من نصف الأطفال الفلسطينيين الذين احتجزتهم إسرائيل شهدوا أو تعرضوا لعنف جنسي. وتعكس هذه الأرقام حجم الكارثة الإنسانية التي تلحق بالقاصرين داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية التي تفتقر لأدنى معايير الحماية الدولية.
كما كشفت لجنة حماية الصحفيين عن إحصائيات تشير إلى أن نحو 29% من الصحفيين الفلسطينيين المفرج عنهم تعرضوا لأشكال مختلفة من العنف الجنسي. وأفاد بعض هؤلاء الصحفيين بتعرضهم للاغتصاب الفعلي، مما يشير إلى استخدام هذه الوسائل الدنيئة كأداة لترهيب الكوادر الإعلامية ومنعهم من أداء واجبهم المهني في نقل الحقيقة.
وتشير الإحصائيات الواردة في المقال إلى أن إسرائيل احتجزت أكثر من 20 ألف فلسطيني في الضفة الغربية منذ أحداث 7 أكتوبر 2023. ولا يزال نحو 9000 معتقل يقبعون في السجون حتى الآن، أغلبهم محتجزون تحت مسمى 'الاعتقال الإداري' دون تهم واضحة، مع حرمانهم من زيارات المحامين أو ممثلي الصليب الأحمر الدولي.
وفي سياق غياب العدالة، نقل كريستوف عن المحامية ساري باشي أن مئات الشكاوى التي قدمتها منظمتها لم تسفر عن أي محاكمات فعلية للجنود المتورطين. واستذكر المقال حادثة عام 2024 حين أُسقطت التهم عن جنود احتياط اعتدوا جنسياً على معتقل فلسطيني حتى أصيب بجروح خطيرة، وسط دفاع مستميت من سياسيين يمينيين عن هؤلاء الجنود.
ولم تقتصر الانتهاكات على السجون، بل امتدت لتشمل اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية الذين يستخدمون التهديد بالاغتصاب كوسيلة لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم. وأكد تقرير 'ائتلاف حماية الضفة الغربية' أن هذا النمط من العنف الجنسي الممارس من قبل المستوطنين يهدف بشكل أساسي إلى دفع العائلات الفلسطينية للنزوح القسري وتوسيع المستوطنات.
المصدر:
القدس