آخر الأخبار

جدارية حرب الإبادة في غزة تشارك في بينالي البندقية 2026

شارك

تستعد مدينة البندقية الإيطالية لاستضافة عمل فني فلسطيني استثنائي يحمل عنوان 'جدارية حرب الإبادة في غزة'، وذلك ضمن فعاليات البينالي العالمي لهذا العام. يهدف المشروع إلى كسر حاجز الصمت والعجز اللغوي أمام هول الدمار، محولاً المأساة إلى لغة بصرية تنسجها خيوط التطريز الفلسطيني العريق. وتأتي هذه المشاركة لتضع العالم أمام مسؤولياته الأخلاقية من خلال الفن الذي يوثق ما تعجز الكلمات عن وصفه.

تتألف الجدارية من مئة لوحة مطرزة بدقة متناهية، حيث استهلكت كل لوحة ما يقارب 55 ألف غرزة يدوية، نفذتها نساء فلسطينيات من مختلف أماكن التواجد الفلسطيني. يجمع هذا الجهد الجماعي بين مطرزات في الضفة الغربية المحتلة ومخيمات اللاجئين في لبنان والأردن، ليرسمن معاً خارطة للألم والصمود. ويعد هذا العمل بمثابة شهادة حية تأبى النسيان، وتوثق تدمير غزة في لحظة حدوثه عبر وسيلة الإبرة والخيط.

تجسد اللوحات مشاهد قاسية حُفرت في الذاكرة الجمعية، من بينها صورة الصحفي الذي يبكي طفله المسجى، وفتيات صغيرات ينتظرن في طوابير الطعام قبل أن يباغتهن القصف. كما تخلد الجدارية قصصاً بعينها، مثل قصة خالد نبهان وهو يحتضن حفيدته 'روح الروح'، والدكتور حسام أبو صفية في مواجهته للدبابات. هذه الصور التي قد تمر سريعاً في شريط الأخبار، تجد في التطريز مستقراً يمنحها الخلود والسياق الإنساني.

يعتبر هذا المشروع فصلاً جديداً ومتطوراً من 'مشروع جدارية تاريخ فلسطين' الذي انطلق في عام 2011 بمدينة أوكسفورد البريطانية. وقد أسست هذا الجهد 'جان تشالمرز'، وهي ممرضة بريطانية عملت في غزة سابقاً، وآمنت بأن التطريز الفلاحي الفلسطيني يستحق أن يكون وعاءً لتاريخ الشعب. اليوم، يشرف على هذا العمل الصحفية جيهان الفرا والمصمم إبراهيم مهتدي، ليكون أكبر عمل تطريز يروي حكاية الأرض والإنسان.

لقد اكتسب التطريز الفلسطيني، المعترف به من قبل اليونسكو منذ عام 2021، أبعاداً جديدة تتجاوز الهوية والانتماء لتصل إلى مرحلة 'الشهادة'. فبعد نكبة عام 1948، كان التطريز وسيلة للحفاظ على الثقافة من المحو، أما اليوم فهو أداة لتوثيق الإبادة الجماعية. ومن خلال التعاون مع 'متحف فلسطين بالولايات المتحدة'، تحول المشروع إلى قوة توثيقية هائلة تسابق الزمن لرصد الجرائم المستمرة.

واجه القائمون على المشروع تحديات لوجستية وأخلاقية كبيرة، خاصة مع انقطاع الاتصال بالنساء داخل قطاع غزة بسبب اشتداد القصف العنيف. تحولت العديد من المشاركات من 'راويات' للقصة إلى 'موضوعات' لها بعد استشهادهن أو نزوحهن، مما أضفى صبغة مأساوية على العمل. ومع ذلك، استمرت النساء في مخيمات الشتات، مثل مخيم 'عين الحلوة' في لبنان، في إكمال المهمة بروح من التحدي والإصرار.

بالنسبة للاجئات في لبنان، لم يكن التطريز مجرد مصدر للرزق، بل كان مساحة لاستعادة الكرامة المهدورة والتعبير عن وحدة المصير مع أهل غزة. وقد عبرت المشاركات عن أن كل غرزة كانت تمثل نبضاً للتراث ودمجاً لآلامهن وآمالهن في نسيج واحد. هذا التلاحم الفني يعكس وحدة التجربة الفلسطينية رغم الحواجز الجغرافية والحدود المصطنعة التي تفرضها سلطات الاحتلال.

إذا كان لا بد أن أموت، فعليك أن تعيش لتروي حكايتي.

لم يقتصر الإسهام في الجدارية على المطرزات فقط، بل امتد ليشمل فنانين وحقوقيين ساهموا في رسم المخططات الأولية للوحات. فإحدى اللوحات استندت إلى رسم للشهيدة الطفلة هند رجب، بينما وثقت لوحة أخرى معاناة المعتقلين معصوبي الأعين في مراكز الاحتجاز. هذه التقاطعات بين الفن والقانون والإعلام جعلت من الجدارية أرشيفاً وطنياً شاملاً يتجاوز كونه مجرد عمل فني جمالي.

ابتداءً من التاسع من مايو، ستُعرض الجدارية في 'قصر مورا' التاريخي بالبندقية، تحت عنوان رمزي يشير إلى غياب الكلمات أمام هول المشهد. ويستمر المعرض حتى شهر نوفمبر، فاتحاً نافذة لجمهور الفن العالمي للاطلاع على الرواية الفلسطينية بلسان أصحابها. إن اختيار هذا المنبر الثقافي الرفيع يعكس رغبة في إيصال صوت الضحايا إلى مراكز التأثير العالمي.

تعبر جيهان الفرا، المشاركة في تنسيق المشروع، عن مشاعر مختلطة تجاه هذا العرض؛ فهو شرف مهني ومفارقة إنسانية في آن واحد. فبينما يزداد العالم استعداداً لتسمية ما يحدث في غزة بـ 'الإبادة الجماعية'، يظل عاجزاً عن إيقاف آلة القتل. ويطرح المعرض سؤالاً جوهرياً حول دور الفن عندما تفشل الأنظمة السياسية في حماية البشرية من الفناء.

إن عملية تحويل المعاناة الإنسانية إلى أنماط من الغرز كانت عملية مضنية تطلبت اجتماعات أسبوعية وبحثاً دقيقاً في الصور والمواقف. كان على المصمم إبراهيم مهتدي تحويل الصور الفوتوغرافية والرسومات إلى قوالب تقنية قابلة للتطريز اليدوي. هذا الجهد التقني والفني يضمن دقة التوثيق ويحافظ على قدسية اللحظة التي يتم تخليدها في كل لوحة من لوحات الجدارية.

تأتي هذه الجدارية كاستجابة جماعية لوصية الأكاديمي الراحل رفعت العرعير، الذي دعا إلى الاستمرار في رواية الحكاية كفعل من أفعال البقاء. فالفلسطينيون اليوم يستخدمون كل ما يملكون من أدوات، بما في ذلك الإبرة والخيط، لضمان عدم ضياع الحقيقة في ركام النسيان الدولي. إنها رسالة من غزة إلى العالم، مفادها أن الضحايا ليسوا مجرد أرقام، بل هم أصحاب أحلام وقصص تستحق أن تُروى.

من المتوقع أن يحظى المعرض باهتمام واسع من النقاد والزوار، نظراً لفرادة الأسلوب وجسامة الموضوع المطروح في قلب أوروبا. فالجدارية لا تقدم فناً للمتعة البصرية فحسب، بل تقدم 'وثيقة إدانة' مطرزة بالصبر والألم. وهي دعوة لكل من يزور البندقية لينظر خلف الغرز، ويرى الوجوه والأسماء التي حاول الاحتلال طمسها وتغييبها عن الوعي العالمي.

في نهاية المطاف، تظل جدارية 'حرب الإبادة في غزة' رمزاً للمقاومة الثقافية التي لا تنكسر أمام آلات الحرب والدمار. إنها تأكيد على أن الذاكرة الفلسطينية حية ومتجددة، وأن الفن قادر على اختراق الحصون الدبلوماسية والسياسية ليصل إلى قلب الضمير الإنساني. ومع كل غرزة تضاف، يترسخ حق الفلسطيني في رواية قصته والمطالبة بالعدالة والمساءلة الدولية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا