آخر الأخبار

الأمم المتحدة وفلسطين: من نكبة 1948 إلى قرار الوصاية 2803

شارك

تأخرت المنظمة الدولية عقوداً طويلة قبل أن تقر رسمياً بنكبة الشعب الفلسطيني، رغم أنها كانت المظلة التي منحت الشرعية لقيام الكيان الإسرائيلي على أرض فلسطين عام 1948. هذا الاعتراف الأممي جاء متجاوزاً لعدم التزام الاحتلال بقرارات التقسيم وحق العودة، مما ساهم في ترسيخ واقع الاحتلال تحت غطاء دولي.

عاشت القضية الفلسطينية مرحلة من التغييب المتعمد داخل أروقة الأمم المتحدة في الفترة ما بين 1951 و1974، حيث تم اختزال الأزمة في أبعادها الإنسانية فقط. واقتصر النقاش السنوي على ملف اللاجئين ووكالة 'أونروا' دون التطرق إلى الجذور السياسية للصراع أو الحقوق الوطنية المسلوبة.

جاء صدور القرار 242 بعد نكسة عام 1967 ليعكس حالة التهميش الدولي، إذ خلا النص من أي ذكر لفلسطين أو شعبها، مكتفياً بالإشارة إلى ضرورة إيجاد حل عادل للاجئين. هذا النهج استمر حتى حرب أكتوبر 1973 التي أعادت فرض الحضور العربي والفلسطيني على الساحة العالمية بقوة السلاح والسياسة.

شهد عام 1974 تحولاً جذرياً بانتخاب عبد العزيز بوتفليقة رئيساً للجمعية العامة، حيث استعاد بند فلسطين مكانه في جدول الأعمال بعد غياب دام 23 عاماً. وتوجت هذه المرحلة بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني ومنحها مقعداً في المنظمة الدولية.

اعتمدت الجمعية العامة في تلك الحقبة قرارات تاريخية، أبرزها القرار 3236 الذي فصّل الحقوق الوطنية الفلسطينية في العودة وتقرير المصير. كما سجلت المنظمة موقفاً أخلاقياً متقدماً عام 1975 حين وصفت الصهيونية بأنها شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري.

بدأت ملامح التراجع تظهر مجدداً مع توقيع اتفاقيات كامب ديفيد وأوسلو، مما أدى إلى تشتت الموقف العربي وإضعاف الزخم الفلسطيني في الأمم المتحدة. وانعكس هذا الضعف في إلغاء قرار وصم الصهيونية بالعنصرية عام 1991، وبداية حقبة 'اللجنة الرباعية' التي وضعت شروطاً قاسية على المقاومة الفلسطينية.

في عام 2022، حققت الدبلوماسية الفلسطينية اختراقاً رمزياً باعتماد قرار يحيي ذكرى النكبة الخامسة والسبعين لأول مرة في تاريخ الأمم المتحدة. ورغم الضغوط الأمريكية والإسرائيلية الهائلة لإفشال القرار، إلا أن الجلسة عُقدت في مايو 2023 لتشكل اعترافاً دولياً متأخراً بالمأساة الفلسطينية.

القرار 2803 يضع الختم النهائي على قضية الكيانية الفلسطينية وحق تقرير المصير إذا لم يتم تعبئة الشعب الفلسطيني ضده.

أحدثت عملية 'طوفان الأقصى' في أكتوبر 2023 زلزالاً في المنظومة الدولية، حيث عادت فلسطين لتصدر نقاشات مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية. ومع ذلك، برزت مخاطر جديدة تمثلت في محاولات فرض حلول سياسية تنتقص من السيادة الفلسطينية تحت مسميات الاستقرار والأمن.

يعد القرار 2803 الصادر في نوفمبر 2025 من أخطر المنعطفات في تاريخ التعامل الدولي مع قطاع غزة، حيث يتبنى رؤية تهدف لفرض وصاية دولية. هذا القرار يتعامل مع الفلسطينيين كطرف غير مؤهل للحكم الذاتي، متجاوزاً دور السلطة الفلسطينية والمؤسسات الوطنية.

أنشأ القرار الأخير ما يسمى 'مجلس سلام' يتمتع بشخصية اعتبارية مستقلة وحماية قانونية دولية، مما يجعله فوق المساءلة المحلية. ويهدف هذا المجلس إلى إدارة قطاع غزة عبر حكومة انتقالية وقوات استقرار دولية، في خطوة يراها مراقبون ترسيخاً لفصل القطاع عن الضفة الغربية.

تضع الشروط الدولية الجديدة نزع سلاح المقاومة كمتطلب أساسي لأي انسحاب إسرائيلي أو محادثات سلام مستقبلية. هذا المسار يمنح الاحتلال ضوءاً أخضر لمواصلة عملياته العسكرية، بينما يقيد الخيارات الفلسطينية في الدفاع عن النفس أو المطالبة بالحقوق المشروعة.

أوكلت مهمة تنفيذ هذه الخطة الدولية لشخصيات مرتبطة بالرؤية الأمريكية المنحازة، وعلى رأسهم جاريد كوشنر وتوني بلير. ويرى محللون أن هذا الفريق يسعى لتصفية الكيانية الفلسطينية وتحويل القضية من صراع تحرر وطني إلى ملف إداري وأمني تحت وصاية خارجية.

رغم كل هذه التحديات والقرارات الدولية التي تحاول الالتفاف على الثوابت، يبقى الرهان على صمود الشعب الفلسطيني في أرضه. التاريخ يثبت أن محاولات التهميش والإلغاء تصطدم دائماً بإرادة المقاومة والتمسك بالهوية الوطنية التي لا يمكن طمسها بقرارات ورقية.

إن النكبة التي بدأت عام 1948 وما تبعها من نكسات واتفاقيات منقوصة، لم تنجح في إنهاء الوجود الفلسطيني أو كسر إرادة التحرر. وفي نهاية المطاف، فإن القوى الدولية التي تحاول رسم مستقبل غزة بعيداً عن تطلعات أهلها، ستواجه واقعاً يفرضه أصحاب الأرض الحقيقيون.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا