في إصدار أدبي وتوثيقي جديد يحمل عنوان 'بأي ذنب هدمت؟'، تفتح الكاتبة والأخصائية الاجتماعية هنادي طه سكيك جراحاً غائرة لم تندمل بعد، مسجلةً شهادتها كواحدة من الناجيات من حرب الإبادة في قطاع غزة. الكتاب ليس مجرد سرد للأحداث، بل هو محاولة لتفكيك نفسية الحرب من قلب الفاجعة التي أفقدت الكاتبة 22 فرداً من عائلتها، بينهم زوجها وابنها وأحفادها ووالدتها.
تتنقل سكيك في نصها بين دور الراوي والشاهد، حيث انتشلت من تحت الركام بأعجوبة لتبدأ رحلة البحث عن إجابات لـ 70 سؤالاً جوهرياً حول الفقد والنجاة. الكتاب يدمج بين أدب السيرة الذاتية والأرشيف الإنساني الواسع، موثقاً تفاصيل القصف والنزوح والمجازر التي تعرضت لها عائلتها وسكان القطاع بشكل عام.
بدأت فصول المأساة الشخصية للكاتبة في التاسع من أكتوبر 2023، حين دمر الاحتلال منزلها الأول، لتبدأ رحلة نزوح قادتها إلى بيت ابنها ثم منزل والدها. وفي الثالث عشر من نوفمبر، وقعت الفاجعة الكبرى بقصف المنزل الذي كان يضم 50 شخصاً، مما أدى لإبادة عائلتها بالكامل ولم يتبقَّ سواها وأحد إخوتها.
تصف الكاتبة لحظات مكوثها في مستشفى المعمداني وهي في حالة ذهول بين الوعي والغيبوبة، قبل أن تضطر للإخلاء قسراً تحت تهديد القصف. هذه التجربة القاسية دفعتها في يناير 2024 للبدء في تدوين الكتاب، ليس بهدف البكاء فحسب، بل لتوثيق الوجع صوتاً واسماً وإعادة المأساة حية في ذاكرة العالم.
يطرح الكتاب تساؤلات فلسفية ونفسية عميقة، من بينها 'هل يشعر البيت بالخوف قبل قصفه؟'، في محاولة لسبر أغوار العلاقة بين الإنسان والمكان. وتجيب سكيك بأن الروح تمر بمراحل من الإنكار والغضب وصولاً إلى الحزن الذي يحول كل تفصيل صغير في المنزل إلى شاهد موجع على الغياب.
من منظور تخصصها كأخصائية اجتماعية، تحلل سكيك الآثار النفسية المركبة للحرب، مشيرة إلى اضطرابات ما بعد الصدمة والقلق المزمن الذي يفتك بالأمهات والأطفال. وتؤكد أن الضغط النفسي المستمر ولد 'سلوكيات بقاء' قاسية وحالة من اللامبالاة الناتجة عن اليأس العام وفقدان الشغف بالمستقبل.
يتطرق الكتاب أيضاً إلى الانهيار الكامل للبنية التحتية والنسيج المجتمعي، محذراً من كوارث بيئية وصحية نتيجة تراكم الأنقاض وتلوث المياه. وتوضح الكاتبة أن الاعتماد الكلي على المساعدات في ظل البطالة والفقر المدقع خلق واقعاً اقتصادياً مأساوياً لم يشهده القطاع من قبل.
وفي فصل نقدي هام، تفكك سكيك الدعاية الإعلامية للاحتلال، وكيفية استخدام مصطلحات لتلطيف الجرائم مثل 'الممر الآمن' و'الإخلاء الأمني'. وترى أن هذه اللغة تهدف إلى تبرير التهجير القسري وجعل تدمير المدنيين يبدو كعمليات عسكرية مشروعة في نظر المجتمع الدولي.
يوثق الكتاب كذلك معاناة الأسرى داخل سجون الاحتلال، ناقلاً شهادات حول العزلة المطلقة وحملات التنكيل الجسدي والنفسي الممنهجة. ويشير النص إلى أن سياسة التجويع أصبحت أداة أساسية لكسر كرامة الأسرى وسلبهم أبسط حقوقهم الإنسانية خلال فترة اعتقالهم.
لم يغفل الكتاب الجانب الإحصائي، حيث استندت سكيك إلى بيانات رسمية توثق حصيلة الضحايا حتى مطلع أبريل 2024، مشيرة إلى ارتقاء عشرات الآلاف من الشهداء. وتبرز الأرقام أن الأطفال دفعوا الثمن الأكبر، حيث سُجل استشهاد أكثر من 21 ألف طفل وإصابة الآلاف بجروح وبتر للأطراف.
وعلى صعيد الخسائر المادية، رصد الكتاب تضرر نحو 410 آلاف وحدة سكنية، ما يعني فقدان مئات الآلاف من العائلات لمأواهم الوحيد. كما وثقت الكاتبة استهداف المعالم الدينية، حيث دمر الاحتلال أكثر من ألف مسجد بشكل كلي، في إطار تدمير الهوية الثقافية والدينية للمكان.
تعتبر سكيك أن تدوين هذه الحقائق هو واجب أخلاقي تجاه الشهداء الذين لا تزال جثامين بعضهم، ومنهم زوجها ونجلها، تحت أنقاض منزلهم المدمر. وتؤكد أن الكتابة هي الوسيلة الوحيدة لترميم شتات النفس ومواصلة الحياة رغم ثقل الفقد الذي لا يمكن وصفه بالكلمات.
يختتم الكتاب بطرح أسئلة أخلاقية كبرى حول مفهوم العدالة الدولية ومعنى النجاة في زمن الإبادة الجماعية. ويبقى النص صرخة إنسانية تطالب العالم بالنظر إلى الضحايا كبشر لهم أحلام وعائلات، وليس مجرد أرقام في تقارير إخبارية عابرة.
إن 'بأي ذنب هدمت؟' يمثل أرشيفاً حياً للألم الفلسطيني، يمزج بين التحليل العلمي والشهادة العاطفية الصادقة. وهو دعوة لكل قارئ لاستيعاب حجم المأساة التي يعيشها سكان غزة، وكيف يعيد الإنسان تشكيل نفسه من وسط الركام والرماد.
المصدر:
القدس