آخر الأخبار

تحقيق: خطة إسرائيل لعزل جنوب الليطاني وتدمير الجسور 2026

شارك

كشفت معطيات ميدانية وتحليلات لصور الأقمار الصناعية عن استراتيجية إسرائيلية ممنهجة لعزل جنوب لبنان، بدأت ملامحها تتبلور قبل وقت طويل من اندلاع المواجهات الأخيرة في مارس 2026. وتُظهر البيانات أن استهداف الجسور الحيوية على نهر الليطاني لم يكن مجرد رد فعل عسكري عشوائي، بل مثل حلقة أساسية في خطة هندسية تهدف لتحويل الجنوب إلى جيب معزول جغرافياً.

بدأت القصة من قرية 'زعورة' السورية المهجرة في الجولان المحتل، حيث شيدت وزارة الدفاع الإسرائيلية منشأة تدريبية ضخمة تحاكي بدقة تضاريس قرى جنوب لبنان. هذه المنشأة التي أُطلق عليها 'لبنان الصغيرة'، صُممت لتشمل أحياء سكنية متعددة الطوابق وشبكات أنفاق معقدة، لتدريب الوحدات النخبوية على اقتحام المناطق المأهولة وتطهيرها تحت غطاء من سياسة الأرض المحروقة.

وتشير صور الأقمار الصناعية من 'بلانت لابس' إلى أن التحول الأكبر في منشأة زعورة حدث بين سبتمبر 2024 وسبتمبر 2025، حيث تحولت الأنقاض التاريخية إلى مجمع عسكري متكامل. وقد تدربت في هذا الموقع ألوية النخبة مثل اللواء 401 والفرقة 98، وهي ذاتها الوحدات التي قادت العمليات البرية اللاحقة في مناطق بنت جبيل والقطاع الشرقي.

بالتوازي مع التدريبات، نفذ سلاح الجو الإسرائيلي عملية تدمير واسعة شملت تسعة جسور ومعابر على امتداد نهر الليطاني، بدأت من الشرق في وادي حجير وصولاً إلى جسر القاسمية الساحلي. هذا التدمير الممنهج يهدف عسكرياً إلى قطع خطوط الإمداد، ومدنياً إلى دفع السكان للنزوح القسري عبر إشعارهم بالحصار الكامل تحت النيران.

التحقيق رصد مفارقة لافتة تتمثل في إبقاء 'جسر الخردلي' سليماً مع استهداف الطرق المؤدية إليه فقط، مما يشير إلى رغبة الجيش الإسرائيلي في الاحتفاظ بممر تكتيكي لاستخدامه في تطوير الهجوم لاحقاً. هذا السلوك يؤكد أن عمليات الهدم تخضع لمنطق عسكري محسوب بدقة، يوازن بين عزل الخصم وتأمين مسارات التقدم المستقبلية للقوات الغازية.

وعلى الصعيد الإنساني، أدت هذه السياسة إلى موجة نزوح غير مسبوقة تجاوزت 1.2 مليون شخص، وهو ما يمثل نحو خمس سكان لبنان. وقد ساهم تدمير الجسور في تسريع إخلاء الجنوب، حيث تحولت المنطقة الواقعة جنوب الليطاني إلى ساحة عمليات خالية من المدنيين، مما يسهل على القوات الإسرائيلية استخدام القوة المفرطة دون قيود.

وتشير التصريحات الرسمية الإسرائيلية إلى تبني 'نموذج غزة' في التعامل مع القرى اللبنانية، من خلال التدمير الممنهج للمباني لإنشاء منطقة أمنية عازلة. هذا التوجه تبلور فيما عُرف بـ'الخط الأصفر'، وهو نطاق جغرافي يمتد على مساحة 570 كيلومتراً مربعاً ويمنع عودة السكان إلى أكثر من 55 بلدة وقرية حدودية.

ما قدمته تل أبيب باعتباره رد فعل كان في جوهره تنفيذاً لخطة معدة مسبقاً بدأ التدريب عليها قبل أشهر من الحرب.

تحليل بيانات القمر الراداري 'سنتنيل-1' أظهر أن مستويات الدمار تتركز بكثافة جنوب هذا الخط الأصفر، مع ملاحظة تفاوت في استهداف القرى بناءً على اعتبارات ديموغرافية وتكتيكية. ورغم أن القرى المسيحية نالت نصيباً من القصف، إلا أن شدة التدمير كانت أعلى بكثير في القرى التي تعتبرها إسرائيل حواضن مباشرة للمقاومة.

ميدانياً، وثقت مصادرنا ست نقاط توغل رئيسية للجيش الإسرائيلي بعمق يصل إلى 10 كيلومترات في بعض المحاور، مثل منطقة البياضة وصف الهوا. وتكشف سرعة التقدم في هذه الجولة، مقارنة بحرب عام 2024، عن أثر التدريبات المكثفة التي تلقاها الجنود في منشأة زعورة على محاكاة القتال في البيئات الوعرة.

ورغم هذا التقدم، تظل التضاريس الجبلية الوعرة في جنوب لبنان عائقاً طبيعياً أمام السيطرة الكاملة، حيث تختلف طبيعة الأرض جذرياً عن قطاع غزة المنبسط. فالوديان العميقة والغابات الكثيفة تمنح المدافعين ميزة استراتيجية في تنفيذ الكمائن وحرب العصابات، مما يجعل البقاء الطويل للقوات الإسرائيلية مكلفاً للغاية من الناحية البشرية.

وتظهر إحصائيات الخسائر أن الجيش الإسرائيلي نجح مؤقتاً في تقليل عدد قتلاه بنسبة 75% بفضل التنسيق الوثيق بين سلاح الجو والقوات البرية. ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذه الأرقام قد تتغير بمجرد تحول المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، حيث تتلاشى ميزة التكنولوجيا أمام إصرار المقاتلين المحليين على الأرض.

من جهة أخرى، أثبتت الوقائع قدرة المقاومة على التكيف مع العزل الجغرافي عبر استخدام الطائرات المسيّرة الانتحارية والاتصالات السلكية بالألياف الضوئية. هذه الوسائل مكنت المجموعات الصغيرة من الاستمرار في تنفيذ عمليات دقيقة ضد تجمعات الآليات الإسرائيلية، رغم انقطاع أوصال الطرق الرئيسية وتدمير الجسور.

ويبقى التساؤل قائماً حول الأهداف النهائية لهذه الخطة؛ فهل تسعى إسرائيل لفرض منطقة عازلة دائمة كأمر واقع، أم أنها تستخدم هذه الأرض كأداة ضغط في مفاوضات إقليمية أوسع؟ إن استمرار العمليات العسكرية حتى في فترات الهدنة يشير إلى أن الآلة الحربية الإسرائيلية تهدف لتثبيت 'الخط الأصفر' كحدود أمنية جديدة.

في الختام، يثبت هذا التحقيق أن ما يشهده جنوب لبنان هو تنفيذ دقيق لسيناريوهات تم اختبارها وتطويرها في منشآت سرية وعلنية لسنوات. إن الجسور المدمّرة والقرى المهجرة ليست سوى أدوات في استراتيجية كبرى تهدف لتغيير وجه المنطقة جغرافياً وديموغرافياً، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من صمود أو انكسار.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا