بين أزقة مدينة غزة التي غطاها ركام المنازل المدمرة، ينهمك الحاج رأفت جبر داخل خيمة متواضعة في مهمة سامية تهدف إلى إنقاذ ما تبقى من المصاحف الشريفة. هذه المبادرة الفردية جاءت رداً على الدمار الواسع الذي ألحقته آلة الحرب الإسرائيلية بالمساجد والمقدسات خلال حرب الإبادة الجماعية التي عصفت بالقطاع.
تلقى مبادرة الحاج جبر استحساناً واسعاً بين الأهالي الذين توافدوا إليه حاملين مئات النسخ من المصاحف الممزقة والمتضررة، أملاً في إعادتها صالحة للقراءة والتعبد. ويعمل الحاج الفلسطيني بأدوات بدائية جداً، محاولاً إزالة غبار الركام عن الصفحات الطاهرة وترميم غلافاتها التي نالت منها شظايا القصف.
تأتي هذه الجهود في وقت كشفت فيه إحصائيات رسمية صادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في غزة عن حجم الكارثة التي حلت بدور العبادة. فقد دمر الاحتلال الإسرائيلي 1050 مسجداً بشكل كلي، و191 مسجداً بشكل جزئي، من أصل 1275 مسجداً كانت قائمة قبل اندلاع العدوان.
ويعتمد الحاج جبر في عمله على نفقته الخاصة ومساهمات محدودة من فاعلي الخير، دون أن يتقاضى أي مقابل مادي من المواطنين. ويوضح أن الدافع الأساسي لمبادرته هو النقص الحاد في المصاحف الجديدة داخل الأسواق، نتيجة استمرار الحصار ومنع إدخال القرطاسية والكتب إلى القطاع.
داخل الخيمة المصنوعة من الخشب والنايلون، يواجه جبر وزميله المتطوع تحديات جسيمة تتمثل في ندرة المواد الخام اللازمة لعملية الترميم. فالحصار الإسرائيلي المشدد يمنع وصول الورق والكرتون والمواد اللاصقة (الصمغ)، مما يجعل عملية الإصلاح معقدة وتستنزف وقتاً طويلاً.
ويشير الحاج الفلسطيني إلى أنه رغم استقباله عشرات المصاحف يومياً، إلا أن قدرته الإنتاجية لا تتجاوز 8 نسخ في أفضل الأحوال. فكل مصحف يتطلب ساعات من العمل الدقيق لضمان عودته إلى هيئته الأصلية، وهو ما يتطلب صبراً جميلاً وإرادة لا تلين أمام ضخامة المهمة.
ورغم توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار في أكتوبر من العام الماضي، إلا أن الواقع المعيشي في غزة لا يزال يراوح مكانه بسبب تعنت الاحتلال. وتتنصل السلطات الإسرائيلية من التزاماتها الدولية بفتح المعابر، وتستمر في منع دخول المواد الأساسية بما في ذلك الأوراق والمستلزمات التعليمية.
هذه المبادرة ليست مجرد عمل فني لترميم الورق، بل هي رسالة صمود فلسطينية تؤكد التمسك بالهوية والعقيدة رغم محاولات المحو الثقافي والديني. ويقول الحاج جبر إن محاولة التغلب على هذه التحديات بإمكانات بسيطة تعكس إرادة الشعب الذي يرفض الاستسلام لنتائج الحرب التدميرية.
يذكر أن حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل منذ السابع من أكتوبر 2023 قد خلفت حصيلة ثقيلة من الضحايا تجاوزت 72 ألف شهيد. كما أدت العمليات العسكرية الممنهجة إلى تدمير نحو 90% من البنية التحتية المدنية، مما جعل الحياة اليومية في القطاع عبارة عن معركة مستمرة للبقاء.
ويبقى الحاج رأفت جبر جالساً في خيمته، يقلب صفحات المصاحف بعناية فائقة، مؤمناً بأن كل حرف يرممه هو لبنة في بناء الذاكرة الفلسطينية. وتستمر هذه الملحمة الإنسانية في غزة، حيث يبتكر الفلسطينيون من وسط الرماد سبل الحياة ويحافظون على مقدساتهم بأبسط الوسائل المتاحة.
المصدر:
القدس