آخر الأخبار

حزب الله والاحتلال: قراءة في موازين القوى الميدانية بلبنان 2

شارك

يعيد التاريخ صياغة نفسه في الجنوب اللبناني بمشاهد تذكر باجتياح عام 1982، حيث تندفع قوة الاحتلال الإسرائيلي نحو ما تتوهمه مجداً عسكرياً، لتصطدم بواقع ميداني مغاير. وبينما يحاول جيش الاحتلال فرض سيطرته عبر سياسة الأرض المحروقة وتدمير أكثر من 55 قرية خلف ما يسمى 'الخط الأصفر'، تبدو المقاومة اليوم أكثر قدرة على استيعاب الصدمات وترميم هيكليتها القيادية والعسكرية.

المشهد الراهن يتجاوز مجرد 'حرب عصابات' تقليدية؛ فقد انتقل حزب الله إلى نمط متطور من الحروب غير المتناظرة، مستخدماً تكنولوجيا الألياف الضوئية في مسيراته الانقضاضية التي باتت تشكل صداعاً لمنظومات الرصد الإسرائيلية. هذه المسيرات أثبتت فاعليتها في استهداف تجمعات الجنود بدقة عالية، كما جرى في استهداف مروحية إنقاذ مؤخراً، مما يعكس تطوراً نوعياً في القدرات التقنية المضافة للحس القتالي.

وعلى الصعيد السياسي، تبرز محاولات دولية تقودها إدارة دونالد ترامب لفرض اتفاقات سلام مباشرة تتصادم مع الثوابت اللبنانية والقانون المحلي، في ظل غياب أي إجماع وطني على هذا المسار. ويسعى رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو لتوريط الجيش اللبناني في مواجهة مباشرة مع المقاومة تحت ذريعة نزع السلاح، وهو هدف يصفه مراقبون بأنه مستحيل التحقق ميدانياً.

ميدانياً، تشير التقارير إلى أن الاحتلال يعجز منذ أسابيع عن إحكام قبضته على بلدة بنت جبيل، التي تحمل رمزية تاريخية كبرى منذ خطاب 'بيت العنكبوت' عام 2000. ورغم التدمير الممنهج للمناطق السكنية والمنشآت، إلا أن المقاتلين يمارسون سيطرة ميدانية واسعة في القرى التي يدعي الاحتلال السيطرة عليها، وفق ما اعترفت به مصادر إعلامية عبرية.

إن فكرة الاستشهاد تدور في عقل ووجدان فرد بذاته، وليس في قواعد عسكرية ومقرات يمكن تعقبها وتدميرها.

وفي تحول استراتيجي لافت، لوّح الأمين العام الحالي الشيخ نعيم قاسم بالعودة إلى خيار العمليات الاستشهادية، وهو السلاح الذي أثبت نجاعته في الثمانينيات وأجبر القوات الدولية والاحتلال على الانسحاب. هذا التهديد يكتسب أبعاداً جديدة اليوم، كون المقاتلين يمتلكون أدوات تكنولوجية تتيح لهم الوصول إلى أهداف حيوية في عمق فلسطين المحتلة وليس فقط في الداخل اللبناني.

لقد أثبتت المقاومة قدرتها على إطلاق أكثر من ألفي صاروخ باليستي منذ مطلع مارس 2026، مما يدحض الروايات الإسرائيلية حول تلاشي قوتها بعد سلسلة الاغتيالات التي طالت قادتها الكبار. هذا الزخم الصاروخي يترافق مع استخدام صواريخ متطورة قادرة على سحق الآليات والجرافات العسكرية التي تحاول التوغل في التضاريس اللبنانية الوعرة.

إن المقارنة بين الماضي والحاضر تكشف أن القيمة الإنسانية المتمثلة في 'روح الاستشهاد' لا تزال تتفوق على القيمة التكنولوجية التي يحتكرها العدو، بل إنها باتت تستعين بالتكنولوجيا لتعزيز أثرها. وكما اضطر رونالد ريغان لسحب أساطيله بعد عمليات 1983، يجد الاحتلال نفسه اليوم أمام استنزاف بشري ومادي لا يمكن تحمله لفترات طويلة.

ختاماً، يبدو أن الرهان الإسرائيلي على إحداث شرخ داخلي لبناني أو تحقيق نصر سريع قد باء بالفشل، حيث يرد المقاتلون بانتظام على الانتهاكات الميدانية لاتفاقات وقف إطلاق النار. إن 'مكر التاريخ' يتجلى في عودة المقاومة بقوة أسطورية مستعادة، لتثبت أن القوة العسكرية الغاشمة لا يمكنها كسر إرادة الشعوب التي تملك الحق في الدفاع عن أرضها.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا