تخيم حالة من الترقب على المشهد اللبناني في ظل استمرار الهدنة التي دخلت حيز التنفيذ في السابع عشر من أبريل الماضي، والتي تم تمديدها بضغوط دولية حتى منتصف مايو الجاري. ورغم تراجع حدة الغارات في العاصمة بيروت ومناطق البقاع، إلا أن الجنوب اللبناني لا يزال يشهد خروقات واسعة وعمليات تدمير ممنهجة للمنازل والبنى التحتية.
أفادت مصادر ميدانية بأن الاحتلال الإسرائيلي يواصل استهداف ما يعرف بـ 'المنطقة الصفراء' التي تمتد بعمق عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، حيث تعرضت قرى بأكملها للتفجير والمسح الجغرافي. وفي المقابل، كثفت المقاومة من عملياتها النوعية باستخدام مسيرات متطورة تعمل بالألياف الضوئية، مما أدى إلى إيقاع خسائر مباشرة في صفوف القوات المتوغلة.
تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن حجم الكارثة الإنسانية قد تجاوز التوقعات، حيث سُجل استشهاد 2586 شخصاً وإصابة أكثر من ثمانية آلاف آخرين منذ مطلع مارس الماضي. كما أدت العمليات العسكرية إلى موجة نزوح كبرى شملت 1.6 مليون مواطن، وهو ما يعادل نحو 20% من إجمالي سكان البلاد، مما يضع الدولة أمام تحديات لوجستية هائلة.
يرى مراقبون أن مستقبل لبنان السياسي في 'اليوم التالي' للحرب يعتمد بشكل كلي على طبيعة التفاهمات النهائية، وما إذا كانت ستفضي إلى اتفاق بضمانات دولية شاملة. إن التوصل إلى صيغة توافقية برعاية أمريكية وعربية قد يمهد الطريق لترسيم الحدود وحل ملف الأسرى، مما يخفف من حدة الاحتقان الداخلي بين القوى السياسية المختلفة.
في المقابل، تبرز مخاوف من سيناريو 'الغالب والمغلوب' الذي قد يفرض واقعاً سياسياً متأزماً يؤدي إلى شلل مؤسساتي طويل الأمد. هذا المسار قد يفاقم من حدة الانقسامات الطائفية والسياسية، ويجعل من عملية التعافي الوطني أمراً بعيد المنال في ظل غياب التوافق على استراتيجية دفاعية أو رؤية موحدة لإدارة الدولة.
على الصعيد الاقتصادي، يواجه لبنان فاتورة باهظة لإعادة الإعمار تقدر بنحو عشرة مليارات دولار للمساكن فقط، دون احتساب تكاليف إصلاح الجسور والطرق والمرافق العامة. وتأتي هذه الأرقام في وقت يعاني فيه النظام المالي من انهيار شبه كامل، مع فقدان الثقة في القطاع المصرفي الذي كان يشكل ركيزة الاقتصاد الوطني.
أكد خبراء اقتصاديون أن ملف النزوح سيمثل الضغط الأكبر على ميزانية الدولة المنهكة، خاصة مع استحالة عودة آلاف العائلات إلى قراهم المدمرة في المدى المنظور. هذا الواقع سيؤدي بالضرورة إلى زيادة معدلات الفقر لتشمل نصف السكان، وسط تحذيرات دولية من أزمة انعدام أمن غذائي قد تطال مليون شخص خلال الأشهر القادمة.
إن استعادة لبنان لعافيته تتطلب أولاً وقفاً دائماً لإطلاق النار يضمن سيادة الدولة ويسمح ببدء عمليات المسح الميداني للأضرار. وبدون وجود ضمانات عربية ودولية واضحة، سيبقى ملف إعادة الإعمار معلقاً، مما يهدد بتحول مناطق واسعة في الجنوب إلى مناطق مهجورة تفتقر لأدنى مقومات الحياة البشرية.
تشير المصادر إلى أن المفاوضات المباشرة التي جرت في أبريل الماضي كانت بمثابة كسر للجمود السياسي المستمر منذ عقود، لكنها لا تزال تواجه معارضة داخلية شديدة. هذا الانقسام حول شرعية التفاوض مع الاحتلال يضيف تعقيداً جديداً للمشهد، حيث يرى فريق أنها ضرورة لإنقاذ ما تبقى، بينما يعتبرها فريق آخر تنازلاً غير مقبول.
الميدان في جنوب لبنان لا يزال يغلي رغم الهدنة المعلنة في بقية المناطق، حيث تستمر عمليات القصف المدفعي الذي يستهدف الأحياء السكنية. هذا التباين في الالتزام بالهدنة يشير إلى رغبة الاحتلال في فرض واقع جغرافي جديد على الحدود، وهو ما ترفضه الدولة اللبنانية وتعتبره خرقاً للسيادة الوطنية.
تتزايد الضغوط على الحكومة اللبنانية لتأمين بدائل سكنية للنازحين الذين فقدوا ممتلكاتهم بالكامل، في ظل غياب الموارد المالية الكافية. إن الاعتماد على المساعدات الإغاثية العاجلة لا يمكن أن يشكل حلاً مستداماً، مما يستوجب وضع خطة وطنية شاملة للإعمار تحظى بدعم الصناديق العربية والدولية بشكل فوري.
إن العودة إلى أسواق المال الدولية تتطلب من لبنان إثبات جديته في مكافحة الفساد وتطبيق معايير الشفافية في إدارة ملفات الحرب. وبدون ذلك، ستظل القروض والمساعدات مجرد وعود لا تجد طريقها للتنفيذ، مما يترك البلاد في دوامة من الأزمات المتلاحقة التي قد تؤدي إلى انفجار اجتماعي غير مسبوق.
في الختام، يبقى 'اليوم التالي' في لبنان رهناً بقدرة القوى المحلية على تغليب المصلحة الوطنية والتعامل مع الواقع الميداني بمرونة سياسية. إن حجم الدمار والنزوح يتطلب تكاتفاً غير تقليدي، يتجاوز الخلافات الأيديولوجية للتركيز على إنقاذ الإنسان اللبناني وتأمين مستقبله في أرضه التي دمرتها آلة الحرب.
المصدر:
القدس