تتلاشى آمال الشاب الفلسطيني بلال المبحوح في استعادة بصره تدريجياً عند عتبات معبر رفح، المنفذ الوحيد لأهالي قطاع غزة نحو العالم الخارجي. فبعد عام من الإصابة التي تعرض لها أثناء أداء واجبه في تحييد ذخائر بمخيم جباليا، تلقى صدمة بفقدان الإبصار كلياً في عينه اليمنى، بينما ينتظر معجزة تمكنه من السفر لإنقاذ ما تبقى من بصر في عينه اليسرى.
قصة المبحوح ليست سوى قطرة في بحر من المعاناة التي يعيشها نحو 21 ألف مريض فلسطيني يحملون تحويلات طبية جاهزة، لكنهم يترقبون فرصة ضئيلة للخروج. هؤلاء المرضى عالقون في قوائم انتظار طويلة، حيث تتحكم سلطات الاحتلال في وتيرة السفر التي توصف بأنها تعمل "بالقطارة" وبمزاجية سياسية واضحة.
وتشير بيانات وزارة الصحة في غزة إلى وجود 197 حالة حرجة جداً تُصنف كـ "إنقاذ حياة"، حيث يتطلب وضعها الصحي إجلاءً فورياً دون أي تأخير. بالإضافة إلى ذلك، هناك أكثر من 2100 حالة طارئة يهدد الموت أصحابها مع كل يوم يمر دون فتح المعبر بشكل كامل ومنتظم أمام الحالات الإنسانية.
هذا الانتظار القاتل لم يمر دون ثمن باهظ، فقد ارتقى قرابة 1562 مريضاً وهم ينتظرون دورهم في السفر، من بينهم 550 مريضاً بالسرطان حُرموا من العلاج الكيماوي والإشعاعي. وتؤكد المصادر الطبية أن غياب التجهيزات اللازمة داخل القطاع يجعل من السفر ضرورة حتمية للبقاء على قيد الحياة.
وعلى الرغم من وجود اتفاقيات تقضي بالسماح لـ 150 مريضاً بالمغادرة يومياً، إلا أن الواقع الميداني يكشف عن فجوة هائلة في التنفيذ. فمنذ مطلع فبراير الماضي، لم يتمكن سوى 665 مريضاً من المغادرة، وهو ما يمثل نحو 20% فقط من الحد الأدنى الذي تم التعهد به دولياً وبموجب اتفاقات التهدئة.
ولا تقتصر المعاناة على الجانب الصحي فحسب، بل تمتد لتطال المسيرة التعليمية لآلاف الطلبة والباحثين الذين يراقبون أحلامهم وهي تتبخر. الدكتور مؤيد إسماعيل، المتخصص في الفيزياء الطبية، يمثل نموذجاً لهذا الفقد العلمي، حيث خسر أربع فرص متتالية لمتابعة دراسة الدكتوراه في الخارج بسبب إغلاق المعبر.
يواجه إسماعيل اليوم خطر خسارة فرصة خامسة في جامعة كندية بعد تلقيه تحذيرات نهائية بإلغاء مقعده الأكاديمي نتيجة تأخره القسري. ويصف الأكاديميون هذا الوضع بأنه تعليق قسري لمسار التنمية في غزة، حيث يُحرم الكادر المتخصص من تطوير مهاراته التي يحتاجها القطاع بشدة لإعادة الإعمار.
وفي زاوية أخرى من المشهد، تبرز مأساة التشتت العائلي التي مزقت أوصال الأسر الفلسطينية بين الداخل والخارج. الصحفي عاصم النبيه يعيش في غزة منذ عامين ونصف بعيداً عن زوجته وطفليه، حيث يتابع نمو طفلته "فرات" عبر شاشات الهواتف فقط، دون أن يتمكن من لمسها أو التواجد في محطات حياتها الهامة.
لقد تحول الشوق في غزة إلى أمنيات بسيطة ومؤلمة في آن واحد، حيث يتمنى الآباء رؤية أطفالهم الذين كبروا بعيداً عنهم. عاصم الذي اختار البقاء في شمال غزة للقيام بواجبه المهني والوطني، يجد نفسه اليوم أسيراً لسياسات إغلاق المعبر التي تحول دون لم شمل عائلته التي تخرجت زوجته وحصلت على الدكتوراه في غيابه.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن إغلاق المعبر أدى إلى تداعيات اجتماعية خطيرة، شملت حالات انفصال وطلاق بين أزواج باعدت بينهم المسافات والحدود المغلقة. فقد تحولت المسافة بين غزة والعالم الخارجي إلى اختبار قسري للعلاقات الإنسانية، حيث يجد البعض أنفسهم عالقين في دوامة من عدم اليقين حول موعد اللقاء القادم.
أفادت مصادر مسؤولة في هيئة المعابر بأن معبر رفح، الذي كان يستقبل نحو 800 مسافر يومياً قبل الحرب، يعمل الآن بطاقة محدودة جداً. ومنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي، لم يشهد المعبر انفراجة حقيقية تتناسب مع حجم الاحتياجات الإنسانية المتراكمة لأكثر من مليوني إنسان.
المعدل الحالي لخروج المسافرين لا يتجاوز 20 شخصاً في الأيام التي يعمل فيها الممع توقف تام خلال عطلات نهاية الأسبوع. هذا البطء الشديد يجعل من الحصول على فرصة للسفر "امتيازاً استثنائياً" يخضع لشروط أمنية وإنسانية معقدة، بدلاً من كونها حقاً طبيعياً مكفولاً للمواطنين.
إن سياسة التنقيط التي يتبعها الاحتلال في إدارة المعبر تهدف، بحسب مراقبين، إلى إبقاء الضغط النفسي والجسدي على سكان القطاع. فكل مريض يغادر يترك خلفه المئات ممن يصارعون المرض دون أمل قريب، وكل طالب يسافر يترك خلفه آلافاً ممن ضاعت سنواتهم الدراسية في طوابير الانتظار.
يبقى معبر رفح الشريان الوحيد الذي يربط غزة بالعالم، لكنه يظل شرياناً مخنوقاً لا يفي بالحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. وبينما تستمر المناشدات الدولية لفتح المعبر بشكل دائم، يواصل الفلسطينيون في غزة دفع ثمن الحصار من أجسادهم ومستقبل أبنائهم، في انتظار لحظة تفتح فيها الأبواب دون قيود.
المصدر:
القدس