تشير تقديرات مراقبين ومسؤولين أمنيين في تل أبيب إلى أن إسرائيل باتت عالقة في مأزق معقد على الجبهة الشمالية، حيث تفرض واشنطن وقفاً لإطلاق النار تحول عملياً إلى حرب استنزاف. هذا الوضع الميداني أدى إلى إرباك الحسابات الإسرائيلية، خاصة مع الفشل في تحييد تهديد الطائرات المسيرة التي يطلقها حزب الله بكثافة.
ونقلت مصادر إعلامية عن مسؤول أمني رفيع قوله إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدأ بوضع كوابح لتحركات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. وتخشى المؤسسة الأمنية أن تنتقل تجربة حزب الله في استخدام المسيرات إلى فصائل المقاومة في غزة والضفة الغربية، نظراً لسهولة تهريبها وفعاليتها الكبيرة في الميدان.
وتسود حالة من الإحباط داخل الأوساط العسكرية الإسرائيلية بسبب النجاح المتزايد للمسيرات المفخخة في إيقاع خسائر بشرية ومادية جسيمة. فخلال الأسبوع الحالي وحده، تسببت هذه الهجمات في مقتل ثلاثة إسرائيليين وإصابة العشرات، مما كشف عن ثغرات واسعة في منظومات الدفاع الجوي الحالية.
ويصف مسؤولون أمنيون الحالة الراهنة بأنها 'فخ استراتيجي' لا مخرج منه في الأفق القريب، حيث يمنع الضغط الأمريكي أي مبادرة عسكرية واسعة. وفي الوقت ذاته، يرى القادة العسكريون أن الانسحاب من جنوب لبنان في هذه المرحلة سيعتبر اعترافاً صريحاً بالهزيمة أمام حزب الله، وهو ما ترفضه الحكومة.
وعلى الرغم من التحذيرات المسبقة، يبدو أن الجيش الإسرائيلي لم يطور حلولاً تقنية فعالة لمواجهة أسراب المسيرات التي تخترق الأجواء باستمرار. ويضطر الجنود في الميدان حالياً إلى اللجوء لوسائل بدائية وارتجالية، مثل نصب شباك حديدية حول المواقع العسكرية لمنع ارتطام المسيرات الانتحارية بالمباني والآليات.
من جانبه، يرى محللون عسكريون أن حزب الله نجح في اكتشاف نقاط الضعف البنيوية في الدفاعات الإسرائيلية واستغلها بذكاء. وتتساءل الوحدات العسكرية المنتشرة في الجنوب اللبناني عن جدوى بقائها في ظل قيود صارمة فرضتها الإدارة الأمريكية الجديدة، مما يضعف الروح القتالية والقدرة على الردع.
وفيما يتعلق بالملف الإيراني، يبدو أن هناك تبايناً في الرؤى بين نتنياهو وترامب حول توقيت وكيفية التعامل مع طهران. فبينما يطمح نتنياهو إلى تصعيد سريع وشامل، يميل ترامب إلى البحث عن مخارج سياسية واتفاقات تضمن الهدوء في منطقة الخليج دون الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة.
وتشير تقارير استخباراتية إلى أن إسرائيل باتت مغيبة جزئياً عن كواليس المفاوضات السرية التي تجريها واشنطن مع أطراف إقليمية ودولية. هذا الغموض يثير قلقاً كبيراً في تل أبيب، حيث يخشى المسؤولون من إبرام تفاهمات لا تلبي المطالب الأمنية الإسرائيلية الدنيا المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني.
وثمة سيناريو ثالث يتحدث عنه كبار المسؤولين في إسرائيل، يتمثل في العودة إلى حالة 'الهدوء مقابل الهدوء' دون اتفاق رسمي أو حسم عسكري. هذا الخيار، رغم كونه 'شراً لابد منه' في نظر البعض، يترك لإسرائيل فرصة العمل العسكري مستقبلاً إذا ما استمرت إيران في تطوير قدراتها الاستراتيجية.
وفي سياق متصل، كشفت مصادر صحفية أن إلغاء زيارة نتنياهو المقررة لواشنطن الأسبوع المقبل جاء بطلب مبطن من البيت الأبيض. ويبدو أن إدارة ترامب تفضل إدارة الأزمات الحالية بعيداً عن ضجيج اللقاءات المباشرة مع نتنياهو، لتجنب أي تعقيدات سياسية قد يفرضها وجوده في واشنطن.
وتحاول الحكومة الإسرائيلية حالياً تقييد سقف المفاوضات مع لبنان بمدة زمنية محددة لا تتجاوز ثلاثة أسابيع، كشرط للاستمرار في ضبط النفس. وأبلغت إسرائيل الجانب الأمريكي أنها ستعود إلى خطتها العسكرية الأصلية وتصعيد الضربات في عمق لبنان إذا لم يتم تحقيق نتائج ملموسة خلال هذه المهلة.
داخلياً، يواجه نتنياهو ضغوطاً سياسية متزايدة مع تراجع شعبيته في استطلاعات الرأي الأخيرة التي أظهرت تفوق منافسيه عليه بشكل واضح. هذا التراجع يأتي في وقت حساس قبل الانتخابات العامة، مما يثير تكهنات حول إمكانية لجوئه لخيارات تصعيدية للهروب من أزماته السياسية والقضائية.
وتتحدث أوساط سياسية عن مساعٍ يقودها الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ للتوصل إلى صفقة تنهي محاكمة نتنياهو مقابل اعتزاله العمل السياسي بصفة نهائية. وتهدف هذه المبادرة إلى إنهاء حالة الانقسام الداخلي الحاد وتوفير مخرج 'مشرف' لنتنياهو يضمن له العفو العام بعيداً عن أروقة المحاكم.
ختاماً، تجد إسرائيل نفسها في مرحلة انتقالية حرجة تتسم بفقدان المبادرة الاستراتيجية والارتهان للقرارات الصادرة من البيت الأبيض. ومع استمرار تهديد المسيرات وتصاعد الضغوط الدولية، يبقى السؤال حول قدرة نتنياهو على المناورة في ظل تآكل شرعيته الداخلية وتغير أولويات حليفه الأكبر في واشنطن.
المصدر:
القدس