الحلقة الثانية
سميرة العدرة: شقيقي كان في الكويت حين انضم إلى "فتح" مع أبو عمار وبدأ نشاطه التنظيمي هناك
بلال العدرة: والدي كان يعلّمني أن الحياة لا تنتظر العدالة بل يجب صناعتها وعلى الإنسان ألا يستسلم
رامين العدرة: والدي كان شغوفاً منذ طفولته بالسياسة ويشارك في الفعاليات المدرسية المرتبطة بفلسطين
ضياء العدرة: كان عمي شخصية شديدة الهدوء والحنان وقريباً من القلب ولم يمارس عنفاً أو إساءة لأحد
عبد الله العرابيد: العدرة التحق مبكراً بـ"فتح" وكان ناشطاً باتحاد الطلاب قبل أن تتغير مساراته لاحقاً
رام الله - خاص بـ"القدس"-
لم يكن محمود العدرة (75 عاماً)، المعروف حركياً باسم "هشام حرب"، بالنسبة لعائلته مجرد اسم ارتبط بتاريخ طويل من العمل الوطني، بل شكّل على امتداد حياته ركناً أساسياً داخل أسرته، جمع بين دور الأب والقائد، وحمل منذ سنوات شبابه المبكرة همّ العائلة إلى جانب انخراطه في مسار سياسي امتد لعقود عبر أكثر من دولة ومنفى، لكن تلك المسيرة انتهت قسراً في السجون الفرنسية.
منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، بدأت رحلة العدرة من الكويت، حيث انخرط في صفوف حركة "فتح"، قبل أن تتسع مسيرته بين العراق وسوريا وليبيا وتونس، وصولاً إلى عودته إلى الأراضي الفلسطينية بعد سنوات طويلة من الغياب، ليواصل حضوره داخل مؤسسات السلطة الفلسطينية حتى تقاعده.
غير أن الفصل الأخير من حياته، كما تؤكد عائلته وأصدقاؤه، في أحاديثهم مع "القدس"، جاء مختلفاً وقاسياً، بعدما انتهت تلك المسيرة بتسليمه إلى السلطات الفرنسية، في خطوة تقول أسرته إنها لم تكن مجرد إجراء قانوني، بل لحظة صادمة فتحت جرحاً عائلياً وإنسانياً عميقاً، وزادت المخاوف بشأن مصيره في ظل تدهور وضعه الصحي ومعاناته من الأمراض وتقدمه في السن.
هكذا اعتقل وتم تسليمه لفرنسا
ويشير بلال إلى أن والده محمود العدرة المعروف باسم "هشام حرب"، اعتقل لدى السلطة الفلسطينية في أيلول/سبتمبر 2025، استناداً إلى مذكرة صادرة عبر منظمة الإنتربول، وبقي داخل السجن مدة تقارب 77 يوماً، قبل أن يُفرج عنه بكفالة نتيجة وضعه الصحي الصعب، ثم اعتقل مجدداً في 25 شباط/فبراير 2026، وبعد أيام، وتحديداً في الأول من آذار/مارس، جرى نقله إلى مستشفى (إتش كلينك) حيث بقي هناك بصورة دائمة، وبعدها بمركز شرطة الخليل، إلى أن تم تسليمه لفرنسا في السادس عشر من نيسان/ أبريل الجاري، دون أن تتاح للعائلة فرصة رؤيته أو وداعه، ثم تلقى بلال اتصالاً من والده من العاصمة الفرنسية باريس بعدها بيوم، وأخبرهم بأن النيابة الفرنسية قررت احتجازه سنة كاملة إلى حين موعد محاكمته.
شعور العائلة بالإحباط
ويقول بلال: "إن العائلة تشعر بإحباط وخذلان كبير، خاصة أن والدي من العائدين إلى فلسطين بعد سنوات طويلة في الخارج، وكان جزءاً من المؤسسات الرسمية الفلسطينية بعد عودته".
ويشير بلال إلى أن الخشية الأكبر لا تتعلق فقط بمصير والده، وإنما بإمكانية أن يتحول ما جرى إلى سابقة قد تفتح المجال أمام دول أخرى للمطالبة بتسليم شخصيات فلسطينية تاريخية، قائلاً: "إن فتح هذا الباب قد يفتح باباً خطيراً على البلاد كلها".
ويستعرض بلال جانباً من سيرة والده، مشيراً إلى أنه من مواليد مدينة يطا جنوب الخليل عام 1955، ودرس الأدب الإنجليزي في العراق، قبل أن يلتحق بالعمل السياسي الفلسطيني في ثمانينيات القرن الماضي، ثم عاد إلى الأراضي الفلسطينية، بعد إنهاء ارتباطاته بحركة فتح "أبو نضال" وعودته إلى حضن الحركة الأم، وعمل في جهاز المخابرات الفلسطينية حتى تقاعده عام 2009، مشيراً إلى أنه يسكن في مدينة رام الله وهو متزوج وله خمسة أبناء وبنات وسبعة أحفاد، كما ان زوجته توفيت قبل ثلاث سنوات.
ويوضح بلال أن فرنسا تتهم والده بالإشراف على خلية مرتبطة بالهجوم على مطعم "جو غولدنبرغ" في باريس عام 1982، لكنه يشدد على أن الملف الفرنسي، الذي قال إنه يقع في نحو 600 صفحة، "لا يتضمن أدلة مادية مباشرة"، بل يستند إلى روايات وشهادات غير حاسمة وغامضة وفضفاضة، كما أن أحد العملاء من أصل فلسطيني ويعمل لصالح المخابرات الفرنسية هو سبب ما جرى بحق والده، الذي ينفي قطعاً كل تلك الاتهامات.
الأب والعلاقة الاستثنائية مع أبنائه
تروي رامين محمود العدرة، ابنة محمود العدرة، تفاصيل إنسانية وشخصية مؤثرة عن والدها، الذي تصفه بأنه لم يكن مجرد أب، بل "صديق وحبيب قبل أن يكون أباً"، مؤكدة أن علاقتها به كانت علاقة قرب استثنائية امتدت رغم سفرها قبل تسع سنوات إلى سلطنة عُمان، حيث ظل قريباً منها بشكل دائم وأقرب شخص إلى قلبها.
وتقول رامين: "إن والدها، بعيداً عن صورته السياسية والنضالية، كان في البيت أفضل أب في الدنيا، يتميز بالحنان الشديد والطيبة، ولم يكن يرفض طلباً لأبنائه، بل كان يسعى دائماً لتحقيق ما يريدونه، مع حرص كبير على توجيههم ونصحهم بطريقة هادئة بعيداً عن العقاب، حيث كان يعتمد أسلوب الإرشاد أكثر من أي أسلوب صارم".
لا تنسى رامين تشجيع والدها لها من أجل إكمالها الدراسات العليا بدرجة الماجستير في جامعة بيرزيت بتخصص الدراسات الدولية، حيث كان يحرص على دعم أبنائه.
كان محمود العدرة بحسب ابنته، مرتبطاً بشكل كبير بأحفاده، ويعاملهم بمحبة خاصة، ويحرص على تلبية احتياجاتهم، مشيرة إلى أن الجانب العائلي في شخصيته كان طاغياً، رغم انشغالاته السياسية والفكرية.
محمود العدرة الشغوف بالسياسة
وتستذكر رامين أن والدها حدثهم بأنه كان شغوفاً منذ طفولته بالسياسة ومتابعة الأخبار، وكان حريصاً على المشاركة في الفعاليات المدرسية المرتبطة بفلسطين، وهو ما تطور لاحقاً ليشكل جزءاً أساسياً من شخصيته النضالية.
ووفق رامين، فإن والدها كان شديد الاهتمام بالقضية الفلسطينية، ومتابعاً دائماً لتطوراتها، حتى داخل المنزل، حيث كان يصر على متابعة الأخبار باستمرار، رغم اعتراض العائلة أحياناً، قائلاً لهم إن متابعة ما يجري في فلسطين ضرورة لا يمكن التخلي عنها.
فقدان الوالدة ثم غياب الأب
وتشير رامين إلى أن أصعب لحظة مرت على العائلة كانت منذ لحظة تسليمه إلى فرنسا وغيابه، خاصة أنهم فقدوا والدتهم قبل ثلاث سنوات فقط، ما جعل والدها يقوم بدور الأب والأم معاً، مؤكدة أن غيابه اليوم جعل العائلة تشعر كأنها فقدت كل شيء، في ظل صدمة كبيرة وعدم استيعاب لما حدث.
وتروي رامين تفاصيل عملية التسليم، مؤكدة أن والدها كان يثق بالقانون الفلسطيني، ويعتقد أنه لن يتم تسليمه، بناءً على تطمينات تلقاها من جهات متعددة، باعتبار أن القانون الفلسطيني يمنع تسليم أي شخص يحمل الجواز الفلسطيني إلى خارج البلاد.
وبحسب رامين، فإن العائلة فوجئت بتسليمه، حيث تم اعتقاله قبل موعد محاكمته بساعتين، دون أن يتمكن من وداع أسرته، قبل أن يتم نقله عبر معبر الكرامة، ومن ثم إلى الأردن وفرنسا لاحقاً.
وتؤكد رامين أن والدها يعاني من أمراض خطيرة، بينها السرطان ومشاكل في الأعصاب والقولون والقلب، إضافة إلى كونه يبلغ من العمر 75 عاماً، ما يشكل خطراً على حياته، مشيرة إلى أنه "تعرض لظلم كبير" في قضية لا علاقة له بها، ولا توجد أي دلائل تدينه.
وتوجه رامين رسالة إنسانية تطالب فيها بالنظر إلى والدها بعين الرأفة والعدالة والإنسانية، مؤكدة ثقتها بأن العدالة الإلهية ستنصفه، لأنه إنسان مظلوم لم يؤذِ أحداً يوماً، داعية الجهات الرسمية والحقوقية إلى التدخل والوقوف إلى جانبه في هذه القضية.
الشخصية الهادئة والبسيطة
يصف ضياء العدرة، ابن شقيق محمود العدرة، عمه بأنه شخصية إنسانية بسيطة وهادئة، قريبة من الجميع دون استثناء، سواء من الصغير أو الكبير، الأمر الذي جعل علاقته به علاقة عائلية متينة امتدت لسنوات طويلة، رغم فترات الغربة والبعد الجغرافي.
ضياء الذي كان مغترباً ويعمل في الخارج، كان تواصله مع عمه محمود مستمراً، وإن كان متقطعاً، عبر الهاتف خلال فترات وجوده خارج البلاد، أو عند عودته، حيث كانا يناقشان مختلف القضايا العائلية، مشيراً إلى أن عمه كان يمنحه شعوراً دائماً بالراحة والقرب، كونه مستمعاً جيداً وهادئ الطباع.
ويؤكد ضياء أن عمه محمود العدرة كان شخصية شديدة الهدوء والحنان، وقريباً من القلب، ولم يُعرف عنه أنه وجّه إهانة أو مارس أي شكل من أشكال العنف أو الإساءة تجاه أحد، وهو ما يشهد به، بحسب قوله، كل من عرفه وتعامل معه عن قرب، رغم أن علاقاته الاجتماعية كانت محدودة نسبياً، ولم يكن كثير الكلام، حتى عن تفاصيل طفولته أو شبابه.
وفي ما يتعلق بعملية تسليمه إلى السلطات الفرنسية، يوضح ضياء العدرة أن الخبر لم يشكل صدمة مفاجئة للعائلة، ليس لسهولة الحدث، وإنما لأنهم تلقوا قبل أيام إشارات تفيد بأن عملية التسليم باتت وشيكة، إلى أن تم تنفيذها فعلياً ونقله إلى فرنسا.
ويشير ضياء إلى أن عمه تعرض لاتهامات وافتراءات مرتبطة بـ"الإرهاب والتطرف"، لكنه كان مدافعاً عن القضية الفلسطينية "بعدالة تامة"، بعيداً عن هذه التهم التي أُلحقت به.
يلتزم ضياء بالصمت، مؤكداً أنه لا ينوي توجيه رسائل إلى المجتمع في ظل صمته، ويكتفي برسالة شخصية لعمه قائلاً: "كل أمر من الله خير، فرّج الله عنك، ونسأل الله أن يفك أسرك".
العائد إلى الوطن ابن جهاز المخابرات العامة
يروي عبد الله العرابيد، وهو صديق وزميل لمحمود العدرة بعد عودته إلى فلسطين، سيرة رجلٍ فلسطيني جمعته به سنوات عمل طويلة داخل جهاز المخابرات العامة، وفي محطات متعددة.
يصف عبد الله العرابيد صديقه وزميله محمود العدرة بأنه "إنسان خلوق ونظيف اليد"، مشيراً إلى أنه كان من الشخصيات التي حاربت الفساد، وكان له دور واضح في "حماية المجتمع الفلسطيني وخدمة الناس ضمن ظروف معقدة عاشها الداخل الفلسطيني في مراحل مختلفة".
ويؤكد العرابيد أن العدرة كان حضور في ملفات سياسية داخلية حساسة، من بينها مواقف مرتبطة بمحاولات احتواء الانقسام الفلسطيني، ورفض الاقتتال الداخلي عام 2007.
مسيرته في المجلس الثوري
وحول خلفيته التنظيمية، يشير العرابيد إلى أن محمود العدرة التحق في مرحلة مبكرة بساحة العراق ضمن إطار حركة فتح "المجلس الثوري"، وكان ناشطاً في اتحاد طلاب فلسطين، قبل أن تتغير مساراته لاحقاً ضمن تحولات الحركة الوطنية الفلسطينية في الخارج.
ويؤكد العرابيد أن المسيرة التنظيمية للعدرة مرّت عبر محطات متعددة، وصولاً إلى مرحلة العائدين بعد اتفاق أوسلو، حيث تم استيعاب مجموعات كانت تعمل خارج الوطن ضمن حركة فتح "المجلس الثوري" ضمن أُطر السلطة الوطنية، بقرار من الرئيس الراحل ياسر عرفات ومدير المخابرات العامة آنذاك الراحل أمين الهندي، وبناء على ذلك تم استيعاب أغلب كوادر "المجلس الثوري" على مرتب جهاز المخابرات العامة في قطاع غزة والضفة الغربية.
ويستعيد العرابيد تلك المرحلة قائلاً: "إن العدرة كان ضمن دفعات العائدين إلى قطاع غزة، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى الضفة الغربية، حيث استمر في العمل ضمن مؤسسات السلطة".
أوسلو يمحو ما قبله
وفي ما يتعلق بالاتهامات التي طالت العدرة بشأن صلته بهجوم وقع في باريس عام 1982، ينفي العرابيد هذه الاتهامات بشكل قاطع، مؤكداً أن انضمام العدرة إلى تنظيم حركة فتح كان في عام 1983، أي بعد وقوع الحادثة بعام كامل.
ويرى العرابيد أن تسليم أي فلسطيني إلى جهات أجنبية يتعارض مع القانون الأساسي الفلسطيني، كما أن كثيراً من الأعمال التي جرت قبل اتفاق أوسلو "تم تجاوزها ضمن التسويات السياسية اللاحقة"، وأن مرحلة ما بعد أوسلو أنهت كافة الملفات، ولا يجوز العودة لها.
وعلى الصعيد الشخصي، يصف العرابيد زميله محمود العدرة بأنه شخص "كتوم، محدود العلاقات الاجتماعية، لكنه محبوب لكل من عرفه".
ويؤكد العرابيد أن محمود العدرة، كما عرفه عن قرب، كان يعتبر أن الهدف الأساسي لأي عمل سياسي أو تنظيمي هو "خدمة القضية الفلسطينية"، ورغم اختلاف الرؤى بين الفصائل حول أساليب تحقيق ذلك، لكن العدرة يؤكد أنها بقيت -في نظره- ضمن إطار الهدف الوطني العام.
المصدر:
القدس