آخر الأخبار

مخطط تهويد الضفة الغربية: من المصطلحات إلى الضم الفعلي

شارك

لم يعد قرار مجلس الشيوخ في ولاية أريزونا الأمريكية الداعي لاستخدام مصطلح 'يهودا والسامرة' مجرد إجراء رمزي، بل هو انعكاس لسياسة إسرائيلية ممنهجة تهدف لطمس الهوية الفلسطينية. وتعمل هذه السياسة على تسخير اللوبيات الدولية لتزييف الرواية التاريخية حول الأرض، وتحويل المسميات التوراتية إلى واقع مفروض يتجاوز القوانين الدولية.

يتزامن هذا التحول في المصطلحات مع حملة استيطانية غير مسبوقة تهدف إلى التأثير على جوهر السياسة الخارجية الأمريكية. ورغم أن المجتمع الدولي لا يزال يعترف بالمنطقة كـ 'ضفة غربية' محتلة، إلا أن الحراك الذي يقوده قادة المستوطنين يسعى لانتزاع اعتراف رسمي بالسيادة الإسرائيلية عبر الوثائق القانونية.

كشف وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش عن تنسيق وثيق مع الإدارة الأمريكية الحالية لدعم عمليات التوسع الاستيطاني. وأكد سموتريتش أن الإجراءات المتخذة في الضفة الغربية حظيت بضوء أخضر من مسؤولين أمريكيين بارزين، مما يعزز فرضية الضم الزاحف للأراضي الفلسطينية المحتلة.

تستند الرواية الإسرائيلية في تسمية 'يهودا والسامرة' إلى تفسيرات توراتية تدعي وجود ممالك قديمة في شمال وجنوب الضفة الغربية. وتزعم هذه السردية أن مدن نابلس وسلفيت وجنين تقع ضمن حدود 'السامرة'، بينما تقع القدس والمناطق الجنوبية ضمن 'مملكة يهودا' المفترضة تاريخياً.

في المقابل، تؤكد الحقائق الأثرية أن فلسطين أرض كنعانية بامتياز، حيث عاش فيها سكانها الأصليون قبل آلاف السنين من ظهور المرويات الإسرائيلية. وتوجد أدلة مادية قائمة في أريحا وعسقلان والقدس، بالإضافة إلى سجلات مصرية وآشورية قديمة تدحض المزاعم التي تحاول ربط الأرض بالهيكل المزعوم.

تتصدى العقيدة الإسلامية لهذه السردية بتأصيل ديني يضع القدس في قلب الهوية التاريخية للمنطقة. وتعتبر الرؤية الإسلامية أن الأنبياء الذين تصفهم إسرائيل بـ 'الملوك' هم أنبياء موحدون، مما يجعل الصراع على المسميات صراعاً على الشرعية الدينية والتاريخية للأرض المقدسة.

شهد عام 2025 تصعيداً تشريعياً خطيراً، حيث وافق الكنيست الإسرائيلي بالقراءة الأولية على مشروع قانون يفرض تسمية 'يهودا والسامرة'. وترافق ذلك مع أوامر صدرت لموظفي لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الأمريكي لاستخدام هذا المصطلح في المراسلات الرسمية والتوثيق.

هذه الخطوة تهدف إلى تعميق جذورنا في جميع مناطق أرض إسرائيل ودفن فكرة قيام دولة فلسطينية.

تعود جذور التقسيم الإداري الحالي للضفة إلى اتفاقية أوسلو 2 عام 1995، التي صنفت الأراضي إلى ثلاث مناطق (أ، ب، ج). وكان من المفترض أن تكون هذه التقسيمات مرحلية تنتهي بإقامة دولة فلسطينية، إلا أن إسرائيل استغلتها لتثبيت وجودها العسكري والاستيطاني الدائم.

تخضع المنطقة 'ج' التي تشكل نحو 61% من مساحة الضفة الغربية لسيطرة إسرائيلية كاملة، مما جعلها المسرح الأساسي لعمليات التوسع. ومع مرور العقود، تلاشت الوعود بالانسحاب الإسرائيلي، وحل محلها واقع استيطاني يبتلع المساحات المخصصة للدولة الفلسطينية العتيدة.

صادق المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي مؤخراً على حزمة إجراءات تهدف لتكريس السيطرة المطلقة على الضفة الغربية. ومن أبرز هذه القرارات إلغاء القيود التي كانت تمنع المستوطنين من شراء الأراضي بشكل مباشر، مما يسهل عمليات الاستيلاء دون الحاجة لوسطاء أو تراخيص معقدة.

يرى وزراء اليمين المتطرف، مثل يسرائيل كاتس أن تعزيز الاستيطان في 'يهودا والسامرة' يمثل مصلحة وطنية وصهيونية عليا. وتصرح القيادة الإسرائيلية علانية بأن هذه الخطوات تهدف لدفن حل الدولتين بشكل نهائي وفرض السيادة الإسرائيلية كأمر واقع لا يمكن التراجع عنه.

تشير تقارير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى وجود أكثر من 542 مستوطنة وبؤرة استيطانية تمزق أوصال الضفة الغربية. ويقطن هذه المستوطنات ما يزيد عن 780 ألف مستوطن، يسيطرون فعلياً على مساحات شاسعة تتجاوز 42% من إجمالي مساحة الضفة المحتلة.

تستغل سلطات الاحتلال مسميات مثل 'أراضي دولة' و'محميات طبيعية' لتحويل أكثر من 70% من مناطق (ج) إلى مناطق محرمة على الفلسطينيين. وتتزامن هذه الإجراءات مع تصاعد اعتداءات المستوطنين التي تهدف لتهجير السكان الأصليين وتوسيع رقعة السيطرة الجغرافية.

إن استبدال مسمى 'الضفة الغربية' بـ 'يهودا والسامرة' ليس مجرد تلاعب لغوي، بل هو أداة في 'حرب المصطلحات' لحسم الصراع. ويسابق الاحتلال الزمن لتحويل الأرض من إقليم محتل وفق القانون الدولي إلى جزء سيادي من إسرائيل، مستغلاً الظروف السياسية الدولية لفرض رؤيته المتطرفة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا