آخر الأخبار

هجمات مستوطنين منظمة في نابلس: حرق منازل وتهجير قسري في جالو

شارك

تعيش قرية جالود جنوب مدينة نابلس فصولاً مأساوية من الترهيب الممنهج، حيث تشن عصابات المستوطنين هجمات وصفت بأنها الأعنف والأكثر تنظيماً منذ سنوات. وأفادت مصادر محلية بأن المهاجمين يتحركون كفرق مدربة، يرتدون زياً أسود موحداً وأقنعة تخفي ملامحهم، وينسلون من التلال المحيطة لمهاجمة المنازل الفلسطينية في أوقات متزامنة.

وروى المواطن وائل الطوباسي تفاصيل ليلة الرعب التي عاشها، حين هاجم عشرات المستوطنين منزله في منطقة الظهر، مستخدمين الحجارة والعصي قبل أن يشعلوا النار في الطابق الأرضي. وأدى الحريق إلى تدمير مركبته الخاصة واحتراق أثاث المنزل بالكامل، بينما كان يحاول مع أفراد عائلته النجاة من ألسنة اللهب والاختناق.

ولم تقتصر الاعتداءات على تدمير الممتلكات، بل طالت الأجساد أيضاً، حيث أصيب ستة مواطنين بجروح متفاوتة، بينهم طفل لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره. وأكد شهود عيان أن المستوطنين اعتدوا بالضرب المبرح على المسنين والشباب الذين حاولوا التصدي للاقتحام، مما استدعى نقل عدد منهم إلى المستشفيات لتلقي العلاج.

وفي ظل هذا التهديد الوجودي، بدأت عائلة الطوباسي بتفكيك مقتنيات منازلها استعداداً للرحيل القسري، في مشهد يعيد للأذهان نكبات التهجير المستمرة. وعبّر رب العائلة عن ألمه الشديد لهذا القرار، مؤكداً أن حماية أرواح الأطفال والأحفاد باتت مستحيلة في ظل التهديدات اليومية بالقتل والحرق التي يطلقها المستوطنون.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن هذه الهجمات ليست عفوية، بل تأتي ضمن سياسة فرض واقع جديد عبر الترهيب لدفع الأهالي نحو النزوح. وذكرت مصادر أن المستوطنين نصبوا خياماً وبؤراً استيطانية جديدة في محيط القرية قبل أيام، لتكون منطلقاً لاعتداءاتهم واستفزازاتهم المستمرة ضد السكان العزل.

من جانبه، أكد رئيس مجلس قروي جالود، رائد الحج محمد أن جيش الاحتلال كان حاضراً في مسرح الأحداث ولم يحرك ساكناً لوقف الهجوم الذي استمر لأكثر من ثلاث ساعات. بل على العكس، منعت قوات الاحتلال أهالي القرية من الوصول لمساندة العائلات المحاصرة، ووفرت غطاءً أمنياً للمستوطنين المنسحبين نحو مستوطنتي 'إيش كودش' و'إحيا'.

وتمتد هذه الهجمات لتشمل تخريب القطاع الزراعي الذي يعتمد عليه سكان جالود بشكل أساسي، حيث تم إحراق دفيئات زراعية ومزارع للدواجن. وتتعرض القرية منذ مطلع العام الجاري لسلسلة من الاعتداءات المنظمة التي استهدفت حتى المدارس والمرافق العامة، في محاولة لتعطيل كافة سبل الحياة الكريمة.

اليوم شعرت أن حادثة حرق عائلة دوابشة قد تتكرر معنا.. الهدف ترحيلنا وللأسف نجحوا في ذلك.

وانتقلت عدوى هذه الاعتداءات إلى قرية القصرة المجاورة، حيث وثقت مقاطع فيديو هجوماً مماثلاً نفذته مجموعات ملثمة أطلقت الرصاص الحي باتجاه منازل المواطنين. ويرى مراقبون أن هذه المجموعات تتبع تنظيمات استيطانية متطرفة تحظى بدعم سياسي مباشر من أقطاب اليمين المتطرف في حكومة الاحتلال.

ويوضح مختصون في الشأن الإسرائيلي أن ظهور 'جيش المستوطنين' بزي موحد وهوية بصرية محددة يشير إلى تحول خطير في بنية هذه المجموعات الإرهابية. إذ لم تعد مجرد عصابات عشوائية، بل أصبحت تعمل وفق برامج وخطط مدروسة تهدف إلى السيطرة الكاملة على الأراضي المصنفة 'ج' وتفريغها من أصحابها الأصليين.

وتشير الإحصائيات الرسمية لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى تصاعد مخيف في وتيرة العنف، حيث نفذ المستوطنون نحو 497 اعتداءً خلال شهر مارس الماضي وحده. وشملت هذه الاعتداءات عمليات تخريب واسعة للممتلكات واقتلاع آلاف الأشجار، خاصة أشجار الزيتون التي تشكل رمزاً للصمود الفلسطيني.

وفي ظل غياب المحاسبة الدولية، قتل المستوطنون 15 فلسطينياً منذ بداية عام 2026، في إحصائية تعكس الضوء الأخضر الممنوح لهم لممارسة القتل بدم بارد. وتتزامن هذه الجرائم مع توسع استيطاني غير مسبوق، حيث ارتفع عدد المستوطنين في الضفة والقدس ليصل إلى نحو 750 ألف مستوطن.

وأمام هذا الواقع المرير، يحاول أهالي القرى الفلسطينية تنظيم لجان حماية شعبية ليلية للسهر على أمن منازلهم وصد الهجمات المباغتة. ورغم ضعف الإمكانيات مقارنة بتسليح المستوطنين وحماية الجيش لهم، إلا أن هذه اللجان تظل الوسيلة الوحيدة المتاحة لمنع وقوع مجازر جديدة بحق العائلات النائمة.

وتعاني جالود تاريخياً من نهب أراضيها، حيث صادر الاحتلال ما يزيد عن 17 ألف دونم من مساحتها الإجمالية منذ سبعينيات القرن الماضي لصالح المعسكرات والمستوطنات. وتحيط بالقرية اليوم عشر تجمعات استيطانية تخنق توسعها العمراني وتحول حياة سكانها إلى سجن مفتوح محفوف بالمخاطر.

ويبقى مشهد المواطن الفلسطيني وهو يخلي منزله قسراً تحت تهديد السلاح والحرق وصمة عار في وجه المجتمع الدولي الصامت. فبينما يواصل المستوطنون 'خفافيش الظلام' جرائمهم، يصر الفلسطينيون في جالود وغيرها على التمسك بما تبقى من أرضهم، رغم كلفة الصمود الباهظة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا