شهدت مدينة مراكش التاريخية واقعة أثارت جدلاً واسعاً، تمثلت في توقف حافلة سياح يهود أمام سور باب دكالة العتيق لأداء طقوس دينية في توقيت محدد. ويرى مراقبون أن هذا الاختيار لم يكن عفوياً، بل حمل أبعاداً سيميائية وسردية تهدف إلى خلق توازٍ بين الأمكنة التاريخية في المغرب الأقصى وبين حائط البراق في القدس المحتلة.
إن التوقف أمام سور ذو حمولة تاريخية إسلامية بدلاً من الأماكن العصرية أو الساحات العامة مثل 'جامع الفنا' يطرح تساؤلات جوهرية حول القصدية من وراء هذا الفعل. فالتبرير بدخول وقت الصلاة يبدو واهياً أمام إمكانية برمجة الرحلات السياحية بدقة لتجنب إثارة الحساسيات في الفضاءات العامة ذات الرمزية الوطنية.
هذا السلوك يقرأه البعض كمحاولة لترسيخ موطئ قدم للصهيونية في المغرب، عبر الإيحاء بأن ممارسة الصلوات في محيط 'أليف' بالمغرب لا يختلف عن ممارستها في القدس. ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه الفلسطينيون من المنع المستمر من الصلاة في المسجد الأقصى تحت وطأة استفزازات المستوطنين وحراسة قوات الاحتلال.
لقد أفرزت هذه الواقعة ردود أفعال شعبية قوية رأت في التوازي المتعمد انتهاكاً للفضاء العمومي واختراقاً سياسياً تحت غطاء ديني. واعتبر محللون أن ما يقدم تحت شعارات الحداثة وتجديد الهوية ليس سوى محاولة لشرعنة الوجود الصهيوني الذي بات منبوذاً عالمياً بسبب جرائمه المستمرة.
التاريخ المغربي يشهد على تسامح حقيقي وليد الحضارة العربية الإسلامية، حيث عاش اليهود المغاربة لقرون في أمن وسلام وتقاسموا مع المسلمين شظف العيش. إلا أن هذا التسامح التاريخي يختلف تماماً عن 'التصهين' الذي يتبنى عقيدة كراهية الآخر واستباحة دمه وتدمير مقدساته.
إن من تصهين من ذوي الأصول المغربية وتحمل مسؤوليات في كيان الاحتلال لا علاقة له بالهوية المغربية الأصيلة التي ترفض العنصرية. فالمغاربة لم تكن لديهم مواقف عدائية ضد اليهود كدين، لكنهم يقفون بحزم ضد الصهيونية التي لا تؤمن بالحوار وتبني وجودها على أساطير التوسع والإبادة.
في المقابل، برزت الحقيقة التاريخية للمغرب من خلال ردود الفعل الشعبية التي رفضت محاولات البلبلة والتفرقة. فقد قام شبان مغاربة بتنظيف المكان الذي أقيمت فيه الصلاة تعبيراً عن رفضهم لاستغلال الأسوار التاريخية في رسائل سياسية تخدم أجندات الاحتلال الإسرائيلي.
الواقعة كشفت أيضاً عن مخاوف جدية لدى الأغلبية الساحقة من تحول الوطن إلى مساحة للاستفزازات الصهيونية تحت مسمى السياحة الدينية. ويرى متابعون أن غياب الشفافية في بعض العلاقات السياسية هو ما يفتح الباب أمام مثل هذه السلوكيات التي تستفز المشاعر الوطنية والدينية للمغاربة.
إن التمييز بين التسامح وبين الانبطاح يبدو ضرورياً في هذا السياق، فالتسامح يكون من موقع القوة والقدرة على فرض القانون وليس بقبول تجاوزات غير مرخصة. فلو أقام مواطنون مغاربة صلاة استسقاء في نفس المكان دون تصريح، لربما واجهوا عقوبات قانونية صارمة بتهمة التجمهر غير المرخص.
ختاماً، يبقى المغرب بذاكرته الحية وفياً للقضية الفلسطينية ورافضاً لكل أشكال التطبيع التي تمس بسيادته أو هويته التاريخية. وما حدث أمام سور باب دكالة ليس مجرد صلاة عابرة، بل هو جرس إنذار ينبه إلى ضرورة حماية الفضاء العام من الاختراقات التي تسعى لترميم سمعة الاحتلال على حساب الرموز الوطنية.
المصدر:
القدس