آخر الأخبار

تاريخ نضال فلسطينيي 1948: من الحكم العسكري إلى هبة الكرامة

شارك

خاض المجتمع الفلسطيني الذي بقي صامداً في الأراضي المحتلة عام 1948 مساراً نضالياً معقداً لمواجهة السياسات الاستعمارية التي استهدفت وجوده الوطني. تراوحت هذه المواجهة بين العمل السياسي المنظم والهبات الشعبية العارمة، في ظل محاولات مستمرة من السلطات الإسرائيلية لفرض 'الأسرلة' وعزل هذا الجزء الأصيل من الشعب الفلسطيني عن امتداده القومي والوطني.

مثلت فترة الحكم العسكري التي امتدت حتى عام 1966 ذروة القمع الإداري والأمني، حيث حوصر الفلسطينيون في قراهم ومدنهم تحت ذريعة 'الخطر الأمني'. واستندت هذه المنظومة إلى أنظمة الطوارئ البريطانية لتقييد الحركة ومنع تشكيل أي إطار وطني جامع، مما جعل الفلسطيني غريباً وملاحقاً في أرضه التاريخية التي تحول فيها إلى أقلية بعد تهجير مئات الآلاف خلال النكبة.

رغم الرقابة الاستخباراتية اللصيقة، برزت نماذج كفاحية مسلحة من داخل الخط الأخضر، كان أبرزها 'مجموعة عكا 778' بقيادة فوزي النمر. نجحت هذه الخلية في تنفيذ عمليات نوعية استهدفت مصافي النفط وخطوط السكك الحديدية، مستغلة قدرة أفرادها على التحرك داخل العمق الإسرائيلي وتضليل أجهزة الأمن لفترات طويلة قبل اكتشاف أمرها.

شكلت قضية التجنيد الإجباري الذي فُرض على الشبان الدروز عام 1956 محطة أخرى من محطات الرفض الشعبي، حيث سعى الاحتلال لسلخهم عن هويتهم العربية. ورغم الضغوط، انطلقت حراكات منظمة قادتها شخصيات دينية وفكرية، مثل لجنة المبادرة العربية الدرزية، التي أكدت على الانتماء الفلسطيني ورفض التورط في الخدمة العسكرية داخل جيش الاحتلال.

يعد 'يوم الأرض' في 30 مارس 1976 الانعطافة الأهم في تاريخ فلسطينيي الداخل، حيث تفجرت الهبة رداً على مخططات تهويد الجليل ومصادرة آلاف الدونمات. كسر هذا الحراك حاجز الخوف وأثبت فشل سياسات الاحتواء، بعدما توحدت الجماهير في إضراب شامل واجهته القوات الإسرائيلية بالرصاص الحي، مما أسفر عن ارتقاء ستة شهداء أصبحوا رمزاً للصمود الأبدي.

لم تتوقف محاولات السيطرة على الأرض، وهو ما أدى لاندلاع مواجهات 'الزابود' في بلدة بيت جن عام 1987، حيث خاض الأهالي إضراباً تاريخياً استمر لأكثر من مئة يوم. دافع السكان بصدورهم العارية عن أراضيهم المهددة بالمصادرة لصالح المستوطنات، وتمكنوا من مواجهة قوات الشرطة في اشتباكات عنيفة أدت لإصابة العشرات من عناصر الأمن الإسرائيلي.

في أواخر التسعينيات، برزت 'هبة الروحة' كنموذج ناجح للعمل الشعبي الميداني في منطقة أم الفحم ووادي عارة، احتجاجاً على إغلاق الأراضي لأغراض عسكرية. أجبرت الحشود الغاضبة والاعتصامات المستمرة وزير الجيش الإسرائيلي حينها على التراجع عن قراراته، مما شكل انتصاراً معنوياً ومادياً مهماً في مسيرة الحفاظ على ما تبقى من الأرض الفلسطينية.

الفكرة المركزية في الاستعمار الإسرائيلي تقوم على معادلة أرض أكثر وسكان أقل، وهو ما واجهه الفلسطينيون بالصمود والانتفاضات المتتالية.

شهدت مدينة اللد عام 1999 حراكاً قوياً ضد سياسة هدم المنازل، وهي السياسة التي تهدف لتضييق الخناق على الوجود الفلسطيني في المدن الساحلية. تعرض خلالها قادة سياسيون ومفكرون للاعتداء المباشر، لكن الخيام التي أقيمت فوق الأنقاض ظلت شاهدة على الإصرار الفلسطيني على البقاء ورفض التهجير الصامت الذي تمارسه البلديات الإسرائيلية.

جاءت هبة أكتوبر عام 2000 لتعيد ربط الداخل بالكل الفلسطيني بشكل دموي ومهيب، تزامناً مع اندلاع انتفاضة الأقصى في الضفة وغزة. واجهت إسرائيل المتظاهرين بوحشية غير مسبوقة، مستخدمة القناصة ضد مواطنيها الفلسطينيين، مما أدى لاستشهاد 13 شاباً، في مشهد كشف الوجه الحقيقي للمنظومة الاستعمارية التي لا تفرق بين فلسطيني وآخر.

يرى مراقبون أن السلطات الإسرائيلية انتهجت بعد عام 2000 سياسة 'الإغراق بالجريمة' كأداة بديلة للضبط الأمني وتفكيك النسيج الاجتماعي في الداخل. ويشير تواطؤ أجهزة الشرطة مع عصابات الإجرام إلى رغبة رسمية في إشغال المجتمع الفلسطيني بصراعات داخلية تستنزف طاقاته وتبعده عن الانخراط في القضايا الوطنية الكبرى.

أحدثت 'هبة الكرامة' في مايو 2021 صدمة عميقة في الوعي الإسرائيلي، حيث انفجرت المدن الساحلية والنقب في وجه المستوطنين وقوات الأمن. تزامنت هذه الهبة مع معركة 'سيف القدس'، وأثبتت أن الأجيال الشابة التي لم تعاصر النكبة أو يوم الأرض لا تزال متمسكة بهويتها الوطنية ومستعدة للتضحية من أجل القدس والأقصى.

تميزت هبة الكرامة بمشاركة فئات شبابية واسعة من خارج الأطر الحزبية التقليدية، مما عكس حالة من الغضب المتراكم ضد التهميش الاقتصادي والتمييز العنصري. واجهت إسرائيل هذا الحراك بحملة اعتقالات مسعورة طالت المئات، وأصدرت أحكاماً جائرة تهدف لردع أي تحرك مستقبلي قد يهدد الجبهة الداخلية خلال أي مواجهة عسكرية شاملة.

يحلل الباحثون واقع فلسطينيي الداخل عبر مفهوم 'حالة العتبة'، وهي الحالة التي تصف التمزق بين الانتماء الوطني الصادق والارتباط المادي بالواقع المدني الإسرائيلي. هذه الحالة، رغم تعقيدها، لم تمنع الجماهير من الانتفاض في اللحظات المفصلية، مؤكدة أن الهوية الوطنية تظل هي المحرك الأساسي رغم كل سياسات التدجين والضبط.

يبقى نضال فلسطينيي 1948 جزءاً لا يتجزأ من حكاية التحرر الفلسطيني الشاملة، حيث يواجهون بصدورهم العارية أعتى سياسات التهويد. إن استمرار الهبات الشعبية وتطور أدوات المواجهة يؤكد أن محاولات 'الأسرلة' قد تحطمت أمام صخرة الوعي الوطني، وأن الداخل الفلسطيني سيظل دائماً في قلب الصراع على الأرض والهوية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا