آخر الأخبار

آثار لبنان تحت القصف الإسرائيلي: تهديد لمواقع اليونسكو في صو

شارك

تصاعدت المخاوف الدولية والمحلية على مصير التراث الإنساني في لبنان، عقب سلسلة من الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت محيط المعالم الأثرية في مدينة صور. وتعد هذه المدينة من أقدم الحواضر المأهولة في العالم، وهي مدرجة رسمياً على قائمة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو منذ ثمانينيات القرن الماضي.

وأفادت مصادر ميدانية بأن إحدى الضربات العنيفة أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين وتدمير منازل تقع ضمن مناطق تاريخية محمية، مما ألحق أضراراً مباشرة وغير مباشرة بالبنية الأثرية. وتأتي هذه الاعتداءات في وقت يفترض فيه أن تتمتع هذه المواقع بحماية قانونية دولية مشددة تحظر المساس بها تحت أي ظرف عسكري.

وكانت منظمة اليونسكو قد أعلنت في وقت سابق عن منح 39 موقعاً ثقافياً في لبنان صفة 'الحماية المعززة المؤقتة' استجابة لطلبات رسمية عاجلة. وتشمل هذه القائمة معالم بارزة في بعلبك وصور، بالإضافة إلى المتحف الوطني في بيروت وموقع جبيل الأثري الذي يعود تاريخه لنحو 8 آلاف عام.

وفي تفاصيل الاعتداءات، شهد موقع 'البص' الأثري في صور دماراً طال قطعاً أثرية مستخرجة حديثاً نتيجة استهداف منزل مجاور، كما تضررت منشآت تعود للحقبة البيزنطية. ونددت وزارة الثقافة اللبنانية بهذا السلوك، واصفة إياه بالعدوان الممنهج على الموروث الثقافي والحضاري الذي يمثل ذاكرة الشعوب.

وتحتضن مدينة صور معالم فريدة مثل ميدان سباق الخيل الروماني 'الهيبودروم'، الذي يعد من بين الأكبر والأفضل حالاً في العالم الروماني القديم. كما تضم 'قوس النصر' الشهير الذي يمثل مدخلاً احتفالياً للمدينة يعود لفترة الإمبراطور هادريان، مما يجعل استهدافها خسارة لا تعوض للتاريخ البشري.

من جانبه، أكد علوان شرف الدين، نائب رئيس بلدية صور أن المدينة تعرضت لاعتداءات متكررة منذ احتلال عام 1982، مشيراً إلى أن الاحتلال لا يكتفي بالتدمير بل يمتد نشاطه للسرقة. وأوضح أن هناك شواهد تاريخية على نقل توابيت حجرية وكنوز ذهبية من المنطقة إلى داخل الأراضي المحتلة خلال فترات سابقة.

وأشار شرف الدين إلى وجود محاولات إسرائيلية لطمس الهوية اللبنانية عبر ادعاءات باطلة حول تبعية بعض المواقع التاريخية، مثل قلعة شمع. وتعرضت هذه القلعة التي تعود للعصور الوسطى لاستهداف مباشر أدى لتضرر أجزاء واسعة منها، في إطار سياسة تدمير المعالم الدفاعية والتاريخية.

إسرائيل تستهدف الإنسان والحجر، وتسعى لتدمير الإرث الثقافي والحضاري وطمس هوية المنطقة التاريخية.

وتخضع هذه المواقع لاتفاقية لاهاي لعام 1954، التي تلزم الأطراف المتنازعة بحماية الممتلكات الثقافية وعدم استخدامها لأغراض عسكرية. ومع ذلك، تشير الوقائع الميدانية إلى تجاهل تام لهذه القوانين، حيث تسقط القذائف والصواريخ على مسافات قريبة جداً من الأعمدة الرومانية والأسوار التاريخية.

وعلى الصعيد الإنساني، تسببت الهجمات في موجة نزوح واسعة، حيث استقبلت مدينة صور آلاف النازحين قبل أن تصبح هي نفسها هدفاً للغارات المكثفة. وفي إحدى المجازر الأخيرة، استهدف الاحتلال حياً سكنياً قبل دقائق من سريان وقف إطلاق النار، مما أدى لاستشهاد 23 شخصاً تحت الأنقاض.

وتستمر عمليات البحث والإنقاذ في المناطق المستهدفة وسط صعوبات بالغة، بينما يواصل المسؤولون اللبنانيون توجيه نداءات استغاثة للمنظمات الدولية. ويرى مراقبون أن الصمت الدولي تجاه تدمير الآثار يشجع الاحتلال على الاستمرار في سياسة 'الأرض المحروقة' التي لا تستثني البشر ولا الحجر.

إن المواقع الأثرية في صور ليست مجرد مزارات سياحية، بل هي رموز حضارية تعاقبت عليها شعوب فينيقية وهلنستية ورومانية وإسلامية. وتدمير هذه المعالم يعني محو طبقات من التاريخ الإنساني الذي ساهم في تشكيل وعي المنطقة والعالم على مر العصور.

وفي بعلبك، يواجه مجمع المعابد الرومانية الضخم خطراً مماثلاً، حيث تهتز الأرض تحت وطأة الانفجارات القريبة، مما يهدد بانهيار الهياكل الحجرية الحساسة. وتعتبر هذه المعابد من أرقى نماذج العمارة الإمبراطورية الرومانية التي بقيت صامدة لآلاف السنين قبل هذا التصعيد.

المتحف الوطني في بيروت، الذي يضم أكثر من 100 ألف قطعة أثرية، وضع هو الآخر تحت الحماية المعززة خشية تعرضه لأي اعتداء مباشر أو غير مباشر. وتوثق مقتنيات هذا المتحف تاريخ المنطقة منذ العصر الحجري وصولاً إلى العصور المملوكية، مما يجعله كنزاً وطنياً وعالمياً.

ختاماً، يبقى التراث اللبناني رهينة للتطورات الميدانية، في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاقات وقف إطلاق النار. وتظل المطالبات قائمة بضرورة وجود آليات دولية فاعلة لمحاسبة المسؤولين عن تدمير الإرث الثقافي العالمي وضمان عدم تكرار هذه الجرائم الحضارية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا