تواجه منطقة الشرق الأوسط مرحلة مفصلية تتجاوز في أبعادها التغيرات الجيوسياسية التقليدية، حيث تشير التقارير إلى وجود خطة إسرائيلية مدعومة أمريكياً لإعادة صياغة المنطقة بالكامل. هذه الرؤية التي بدأت ملامحها منذ عقود، تهدف إلى تحويل الدول المحيطة إلى كيانات تابعة تقع تحت وطأة الهيمنة العسكرية والاقتصادية المباشرة.
تعد استراتيجية 'القطع النظيف' التي قُدمت لبنيامين نتنياهو في ولايته الأولى عام 1996 حجر الزاوية في هذا التحول، إذ نادت بإنهاء مبدأ 'الأرض مقابل السلام'. وقد ركزت هذه الخطة على تدمير الاتفاقيات السياسية السابقة ودفع القوى الغربية للإطاحة بالأنظمة المعارضة في العراق وسوريا وصولاً إلى المواجهة المباشرة مع إيران.
في السياق ذاته، تبرز خطة 'درع إبراهام' كاستراتيجية شاملة يسعى من خلالها تحالف أمني إسرائيلي لفرض واقع جديد بعد حرب غزة. تتضمن الخطة نزع سلاح المقاومة، وإنشاء مناطق عازلة في دول الجوار، وتسريع وتيرة التطبيع لدمج إسرائيل في تحالف إقليمي يواجه الطموحات النووية الإيرانية.
لقد نجح نتنياهو خلال مسيرته السياسية في تحويل إسرائيل من اقتصاد اشتراكي محدود إلى قوة تكنولوجية وعالمية كبرى، حيث تجاوز ناتجها المحلي 500 مليار دولار. هذا النمو الاقتصادي، المعتمد على الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، منح تل أبيب الأدوات اللازمة لفرض نفوذها كلاعب دولي يتجاوز الحدود الإقليمية.
يسعى نتنياهو اليوم لتحقيق ما يوصف بـ 'لحظة 1967' ثانية، رداً على انكسار هيبة الردع في السابع من أكتوبر. ويرى مراقبون أن هذا السعي يهدف إلى محو تهديدات غزة وإيران نهائياً، وفرض هيمنة إقليمية مطلقة تتجاوز في حجمها الانتصارات العسكرية التاريخية السابقة التي حققتها إسرائيل.
تشهد المرحلة الحالية صعود تحالف عسكري غير مسبوق بين واشنطن وتل أبيب، خاصة مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. وتفيد مصادر بأن التنسيق الميداني وصل إلى مستويات تاريخية، حيث تنطلق الطائرات الأمريكية من قواعد إسرائيلية لتنفيذ مهام هجومية ضد أهداف استراتيجية في المنطقة.
على الرغم من هذه القوة الغاشمة، يرى محللون أن 'سلام الردع' الذي يؤمن به نتنياهو يواجه عقبات هيكلية تمنع تحقيق الهيمنة الكاملة. فالهيمنة الحقيقية تتطلب قبولاً سياسياً وشرعية إقليمية، وهو ما تفتقر إليه إسرائيل بسبب سياساتها القمعية المستمرة ضد الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية.
أثبتت المواجهات الأخيرة أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لقمع حركات المقاومة أو إنهاء البرامج النووية للخصوم. ولا تزال شبكات النفوذ الإقليمية تشكل تحدياً قوياً يعجز التفوق التكنولوجي عن تفكيكه بالكامل، مما يجعل أحلام الهيمنة المطلقة تصطدم بواقع جيوسياسي معقد ومتعدد الأقطاب.
حذرت تقارير صحفية من 'فشل في الخيال' لدى مخططي الحرب في واشنطن وتل أبيب، لاعتمادهم المفرط على الآلة والذكاء الاصطناعي وتجاهل الطبيعة البشرية. فالاعتقاد بأن تدمير البنية التحتية سيؤدي لانهيار الأنظمة أثبت خطأه في تجارب سابقة، حيث تظل المشاعر الوطنية والدينية محركاً أساسياً للصراع.
في ظل هذه الفوضى، بدأت الدوائر السياسية الإسرائيلية تتحدث عن 'العدو التالي' بعد إيران، حيث تشير أصابع الاتهام نحو تركيا. ويُنظر إلى أنقرة كخصم فريد يمتلك طموحات بحرية ونفوذاً متزايداً في القرن الأفريقي وسوريا، فضلاً عن دعمها المستمر لحركات المقاومة الفلسطينية.
المعركة القادمة، بحسب رؤية بعض المؤرخين الإسرائيليين، لن تكون عسكرية فقط بل ستستهدف 'روح الإسلام' والأيديولوجيات السياسية. ويهدف هذا التوجه إلى خلق بدائل للإسلام السياسي ودعم تيارات تتوافق مع الرؤية الغربية والإسرائيلية للمنطقة في مرحلة ما بعد الهزيمة المفترضة للخصوم.
أما دول الخليج، فقد بدأت تتبنى سياسات حذرة تجمع بين الاعتماد على الحماية الأمريكية وتنويع الشراكات مع قوى دولية مثل الصين. وتدرك هذه الدول أن الانحياز الكامل للمخططات الإسرائيلية قد يحمل مخاطر وجودية، خاصة مع إثبات إيران قدرتها على إلحاق ضرر اقتصادي واسع عبر مضيق هرمز.
يواجه نتنياهو انتقادات داخلية حادة تتهمه بالفشل الاستراتيجي رغم حجم الدمار الذي أحدثه، حيث يرى قادة المعارضة أن سياساته أضرت بمكانة إسرائيل الدولية. ويرى هؤلاء أن الوعود بـ 'النصر الكامل' لم تتحقق، بل أدخلت إسرائيل في مسار تصادمي دائم مع جيرانها دون أفق سياسي واضح.
ختاماً، يمر الشرق الأوسط بفترة تاريخية تهدد هويته ومستقبل شعوبه في ظل محاولات فرض 'سايكس بيكو' جديدة. وتؤكد التجارب التاريخية أن الاعتماد على الوعود الخارجية غالباً ما ينتهي بالتخلي عن الحلفاء، مما يستوجب صياغة رؤية عربية موحدة لمواجهة مشاريع التوسع والاستيطان الدائم.
المصدر:
القدس