آخر الأخبار

أزمة قطع الغيار والزيوت في غزة: شلل يصيب المستشفيات والاقتصا

شارك

في زوايا مستشفيات قطاع غزة المظلمة، تصارع المولدات الكهربائية المتهالكة للبقاء على قيد الحياة، حيث لم يعد صوت ضجيجها مجرد إزعاج ميكانيكي، بل بات يمثل نبض الإنعاش لآلاف المرضى. هذه الماكينات التي تعمل كأجهزة تنفس صناعي للمنظومة الصحية، تواجه اليوم خطر التوقف النهائي نتيجة منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الزيوت المعدنية وقطع الغيار الأساسية.

تتجاوز الأزمة حدود الميكانيكا لتتحول إلى 'إبادة تقنية' صامتة، حيث يتسلل الموت عبر تروس مكسورة لا تجد بديلاً، أو لترات زيت مغشوشة أهلكت ما تبقى من محركات. لم تعد هذه المواد مجرد سلع تجارية عادية، بل تحولت إلى محددات رئيسية للبقاء في ظل حصار يطبق خناقه على كافة أوردة الحياة والإنتاج في القطاع.

ويؤكد خبراء اقتصاديون أن المولدات الكهربائية تحولت بفعل انقطاع التيار الشامل إلى العمود الفقري للاقتصاد الغزي المنهار. إن أي نقص في هذه المستلزمات يعني شللاً فورياً يصيب المخابز، ومحطات تحلية المياه، وشبكات الاتصالات، مما يحول قطعة غيار صغيرة إلى مفتاح لأزمة اقتصاد كلي تضرب القطاع المنهك أصلاً.

ويواجه الاقتصاد في غزة موتاً بطيئاً مع تآكل القدرة الإنتاجية وسلاسل التوريد، وهو ما يكبد القطاع خسائر يومية تقدر بملايين الدولارات. هذا التدهور أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في معدلات البطالة، حيث توقفت عجلة الإنتاج في المصانع التي كانت تغطي جزءاً من احتياجات السوق المحلي قبل الأزمة.

على الصعيد الطبي، يصف المسؤولون الصحيون المولدات بأنها الشريان الرئيسي الذي يغذي أقسام العناية المكثفة وحضانات الأطفال ووحدات غسيل الكلى. وقد كشفت مصادر طبية أن الاحتلال دمر أكثر من نصف المولدات الرئيسية، بينما تعمل المولدات المتبقية منذ ثلاث سنوات دون صيانة حقيقية، مما يجعلها قنابل موقوتة قد تتوقف في أي لحظة.

واضطرت المستشفيات لاعتماد إجراءات تقشفية قاسية، شملت إطفاء الكهرباء عن أقسام غير حيوية لضمان استمرار العمل في غرف العمليات والعناية المركزة. هذا العجز التقني امتد ليشمل الأجهزة التشخيصية، حيث تفتقر غزة اليوم لجهاز رنين مغناطيسي واحد يعمل، بينما تعاني أجهزة الأشعة من تهالك شديد وغياب لقطع الغيار.

وتؤكد مصادر مسؤولة في وزارة الصحة أن المشكلة ليست تمويلية بل هي سياسية بحتة يفرضها الاحتلال كأداة ضغط. هناك قطع غيار تم شراؤها بتمويل دولي وهي محتجزة في مخازن بالقدس والضفة الغربية منذ أكثر من عامين، حيث يرفض الاحتلال السماح بدخولها دون إبداء أسباب قانونية واضحة.

أي نقص في الزيوت أو قطع الغيار لا يعني توقف ماكينة فحسب، بل يعني شللاً في المستشفيات والمخابز ومحطات المياه.

وحذرت الجهات الهندسية من أن المنظومة التقنية دخلت مرحلة الخطر الشديد، خاصة وأن كميات الزيوت التي سُمح بدخولها مؤخراً تحت الضغط الدولي لا تكفي لسد الاحتياج لأكثر من شهر. كما أن استمرار منع دخول 'الفلاتر' يمنع إجراء أي صيانة حقيقية للمحركات، مما يسرع من وتيرة تلفها النهائي.

وفي الشوارع، يروي السائقون قصصاً مأساوية عن البحث عن 'سولار صناعي' أو زيوت مستخدمة ومعاد تدويرها للحفاظ على مركباتهم. لقد تسبب استخدام الزيوت المغشوشة والمحروقة في تدمير مئات المحركات، في وقت تجاوز فيه سعر لتر الزيت الجديد حاجز الألف شيكل، وهو مبلغ يفوق قدرة السائقين الشرائية.

ويلجأ السائقون إلى حلول بدائية وخطيرة لتشغيل مركباتهم، مثل 'التعشيق' اليدوي بسبب تلف البطاريات، أو خلط أنواع رديئة من الوقود. هذه الحلول وإن كانت تضمن استمرار العمل ليوم واحد، إلا أنها تؤدي إلى تهالك متسارع في المركبات، مما يعني فقدان السائقين لوسيلة رزقهم الوحيدة في نهاية المطاف.

الحصار التكنولوجي يهدف بوضوح إلى تدمير ديمومة الحياة واستهداف القطاع الصناعي بشكل مباشر عبر تعطيل سلاسل الإمداد. البدائل المحلية مثل الطاقة الشمسية تظل حلولاً ترقيعية، فهي غير قادرة على تشغيل الماكينات الثقيلة أو المصانع الكبرى، مما يجعل غزة منطقة غير صالحة للإنتاج الصناعي.

ولا تتوقف آثار نقص قطع الغيار عند الماكينات، بل تمتد لتخلق بيئة موبوءة تهدد حياة النازحين في الخيام. توقف مضخات الصرف الصحي ومعدات نقل النفايات الصلبة أدى إلى انتشار المياه العادمة وتراكم الأطنان من القمامة، مما حول مراكز الإيواء إلى بؤر خصبة للأوبئة والأمراض المعدية.

إن ما يحدث في غزة هو حصار ميكانيكي مدروس يهدف لتجريد الإنسان من أدوات إنتاجه وسبل بقائه الأساسية. قطعة الغيار التي يمنعها الاحتلال ليست مجرد قطعة حديد صماء، بل هي حق في الحياة والعلاج والعمل، وغيابها يعني حكماً بالإعدام على قطاعات حيوية كاملة تعتمد عليها حياة الملايين.

بينما يحاول العالم تجاهل أنين الماكينات في غزة، تظل الأزمة مرشحة للانفجار الشامل مع توقف آخر المولدات عن العمل. إن غزة لا تحتاج فقط للمساعدات الإغاثية، بل تحتاج إلى إطلاق سراح معداتها وزيوتها لتستعيد قدرتها على التنفس، قبل أن يطبق صدأ الحصار على ما تبقى من أوردة الحياة فيها.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا