تعيش المواطنة الفلسطينية رغدة الشيخ، المقيمة في مركز نزوح بقطاع غزة، مأساة مزدوجة بدأت بفقدان منزلها في حي الشيخ رضوان ولم تنتهِ بانتزاع أطفالها الثلاثة من حضن والدهم في فرنسا. فبعد أن استبشرت خيراً بنجاة صغارها من آلة الحرب الإسرائيلية ومغادرتهم نحو باريس، وجدت نفسها اليوم أمام جدار من الإجراءات القانونية الفرنسية التي فصلت العائلة تماماً.
الأطفال الثلاثة، ربحي ونور وحسام الدين، الذين غادروا القطاع في ديسمبر 2023 بمساعدة الخارجية الفرنسية، أودعوا في دار رعاية حكومية منذ منتصف يوليو 2024. وجاء هذا التحرك من قبل مؤسسة حماية الطفولة الفرنسية بناءً على بلاغات تدعي تعرضهم للتعنيف، وهو ما ترفضه العائلة جملة وتفصيلاً وتعتبره ادعاءً بلا دليل.
وأفادت مصادر مقربة من العائلة بأن الجد المقيم في فرنسا، ربحي الشيخ، أكد أن المحكمة لم تجد أي تقارير طبية أو مدرسية تثبت تعرض الأطفال لأي نوع من الأذى الجسدي. وأشار الجد في تصريحاته إلى أن الجلسات القانونية الأخيرة شهدت مطالبات من محامي العائلة وحتى محامي الخدمات الاجتماعية بضرورة إعادة ربط الأطفال ببيئتهم الأسرية.
من جانبها، تعبر الأم رغدة عن صدمتها العميقة من تحول ملاذ أطفالها الآمن إلى سجن يفرغهم من هويتهم وثقافتهم العربية التي نشأوا عليها. وتؤكد أنها في آخر اتصال مرئي معهم قبل نحو عام، اضطرت للاستعانة بمترجم للتحدث مع أبنائها الذين بدأوا ينسون لغتهم الأم نتيجة العزلة المفروضة عليهم.
وتضيف الأم أن السلطات الفرنسية منعتها لاحقاً من التواصل المرئي مع أطفالها، وحصرت الأمر في رسائل مكتوبة تصل ردودها بعد أسابيع طويلة وبشكل غير منتظم. وتبرر السلطات هذا المنع بأنه يهدف للحفاظ على الحالة النفسية للأطفال، وهو مبرر تراه الأم غير منطقي ويزيد من تدهور وضعهم الأكاديمي والنفسي.
وفي غزة، لا تزال رغدة تحتفظ ببعض مقتنيات أطفالها التي استخرجتها من تحت ركام منزلها المدمر، لعلها تمنحها صبراً على فراق طال أمده. وتتحدث بمرارة عن ملابسهم التي أصبحت صغيرة عليهم الآن، متسائلة عن ملامحهم التي تغيرت وعن من يقدم لهم الرعاية والحنان في غربتهم القسرية.
وتشدد الأم على أن زوجها أحمد كان مثالاً للأب الحنون، وكان يحرص دائماً على توفير سبل الترفيه والاحتفال بمناسباتهم الخاصة في غزة قبل الحرب. وتستغرب كيف يمكن للسلطات في بلد يدعي حماية حقوق الإنسان أن تمارس هذا النوع من التفكيك الأسري بحق أطفال فروا من إبادة جماعية.
المأساة لم تتوقف عند الفصل الجسدي، بل امتدت لتشمل مخاوف حقيقية من تغيير دين وقومية الأطفال عبر دمجهم في عائلات بديلة تختلف عن خلفيتهم الأصلية. وتناشد العائلة المنظمات الحقوقية الدولية والضمائر الحية في فرنسا للتدخل الفوري لإنهاء هذه المعاناة الإنسانية وإعادة الأطفال لحضن والدهم وجدهم.
وتشير التقارير الواردة من فرنسا إلى أن الأطفال يعيشون حالة من التشتت في مراكز الاستقبال، حيث تراجع مستواهم الدراسي بشكل ملحوظ بعد أن كانوا من المتفوقين في مدارس غزة. ويعزو محامي العائلة هذا التراجع إلى غياب الاستقرار الأسري والضغط النفسي الناتج عن حرمانهم من التواصل مع والديهم.
ورغم كل هذه الظروف، لا تزال رغدة الشيخ تنتظر في خيمتها بقطاع غزة فرصة لجمع الشمل، سواء بمغادرتها نحو فرنسا أو بعودة أطفالها إليها. وتقول إن الفرحة التي شعرت بها يوم سفرهم تحولت إلى غصة مستمرة، متمنية لو أنهم بقوا بجانبها رغم أهوال الحرب والجوع.
وتعتبر قضية أطفال عائلة الشيخ نموذجاً صارخاً للتحديات التي تواجه اللاجئين الفلسطينيين في الدول الأوروبية، حيث تصطدم القوانين المحلية أحياناً بالخصوصيات الثقافية والاجتماعية للعائلات المنكوبة. وتطالب العائلة بضرورة مراعاة الظروف الاستثنائية التي مر بها هؤلاء الأطفال كفارين من منطقة نزاع دموية.
وفي ختام مناشدتها، دعت الأم كافة الجهات المعنية إلى تسهيل إجراءات سفرها لتكون بجانب أطفالها، مؤكدة أن وجود الأم هو الضمانة الوحيدة لاستعادة توازنهم النفسي. وتؤكد أن ما يتعرض له أطفالها هو نوع آخر من الإبادة، يستهدف هذه المرة انتماءهم الروحي والوطني بعيداً عن القصف.
ويبقى ملف أطفال عائلة الشيخ مفتوحاً أمام القضاء الفرنسي، وسط ترقب من الأوساط الحقوقية لنتائج الطعون القانونية التي قدمها محامي العائلة. وتأمل العائلة أن تنتصر العدالة الإنسانية على البيروقراطية التي تسببت في تمزيق شمل أسرة لم تطلب سوى الأمان من الموت.
إن قصة رغدة وأطفالها الثلاثة تختصر حكاية شعب يلاحقه الشتات في كل مكان، حيث تتحول محاولات النجاة أحياناً إلى فصول جديدة من المعاناة. وتبقى الرسائل المكتوبة هي الخيط الرفيع الذي يربط أماً مكلومة في غزة بأطفالها الذين يكبرون بعيداً عنها في دور الرعاية الفرنسية.
المصدر:
القدس