في وقت يتجه فيه اهتمام المجتمع الدولي نحو التصعيد الإقليمي والملف الإيراني، تفرض قوات الاحتلال الإسرائيلي واقعاً ميدانياً جديداً في قطاع غزة. يتمثل هذا الواقع في تعزيز السيطرة على ما يُعرف بـ'الخط الأصفر'، وهو ترسيم حدودي متغير يشرف عليه الجيش الإسرائيلي مباشرة، مما أدى إلى حصر آلاف الفلسطينيين في مناطق ضيقة ومعزولة.
أفادت مصادر صحفية دولية بأن هذا الخط بات يتحكم في كافة تفاصيل الحياة اليومية لسكان القطاع، حيث يتبدل موقعه وقواعد التعامل معه باستمرار. ورغم مرور أكثر من ستة أشهر على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، إلا أن السكان لا يزالون عالقين في معادلة أمنية معقدة بين الوجود العسكري الإسرائيلي والقدرات المسلحة لحركة حماس.
تشير التقديرات الأممية إلى أن الأوضاع الإنسانية وصلت إلى مستويات غير مسبوقة من التدهور، حيث يعتمد نحو 90% من السكان بشكل كامل على المساعدات الإغاثية. ورغم الهدوء الظاهري، إلا أن مئات الأشخاص قُتلوا في حوادث متفرقة منذ توقف العمليات الكبرى، دون وجود أثر فعلي للهيئات الإدارية التي كان من المفترض أن تتولى شؤون القطاع.
على الصعيد الميداني، لا تزال حركة حماس تبسط سيطرتها على الجانب الغربي من القطاع، خلف المنطقة العازلة التي يشرف عليها الاحتلال. وتؤكد التقارير أن الحركة ما زالت تحتفظ بقدراتها العسكرية رغم الحرب الطويلة التي كان هدفها المعلن إنهاء وجودها المسلح بشكل كامل، مما يضع علامات استفهام حول مستقبل الإدارة السياسية للقطاع.
نقلت مصادر عن مواطنين في غزة، منهم زهير دولة وهو أب لثلاثة أطفال أن الحديث عن نزع السلاح يبدو منفصلاً عن الواقع المعقد على الأرض. ويرى السكان أن القوى المسيحطرة لن تتخلى عن نفوذها بسهولة في ظل غياب بدائل سياسية واضحة تضمن الأمن والاستقرار للمدنيين الذين يدفعون الثمن الأكبر.
يعتبر مسؤولون إسرائيليون وأمريكيون أن الوضع الحالي يمثل مرحلة انتقالية ضمن خطة وقف إطلاق النار الشاملة. ومع ذلك، تشير الوقائع الميدانية إلى تشكل بنية أمنية دائمة، حيث أصبح 'الخط الأصفر' نموذجاً لاستراتيجية إسرائيلية أوسع تهدف إلى خلق مناطق عازلة تفصل بين مراكز السكان والتهديدات العسكرية المحتملة.
هذا النمط من السيطرة لم يقتصر على غزة فحسب، بل امتد ليشمل جبهات أخرى في المنطقة، لا سيما في جنوب لبنان. فقد قامت القوات الإسرائيلية بتجريف قرى كاملة وإقامة مواقع عسكرية متقدمة، معتبرة أي شخص يعبر المنطقة العازلة الجديدة هدفاً عسكرياً مشروعاً، في تكرار واضح لسيناريو غزة.
وفي سوريا أيضاً، برزت ملامح هذه الاستراتيجية عقب التطورات السياسية الأخيرة وسقوط النظام السابق في نهاية عام 2024. حيث سارع الجيش الإسرائيلي إلى إقامة مناطق عازلة في المواقع الحدودية الحساسة، مبرراً ذلك بضرورة حماية أمنه في ظل حالة عدم اليقين التي تعيشها الإدارة السورية الجديدة.
ترى المحللة الأمنية ساريت زهافي أن هذا النهج يعكس مبدأً ثابتاً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية الحالية، يقوم على الفصل الجغرافي التام. ويهدف هذا المبدأ إلى تقليل الاحتكاك المباشر مع السكان المدنيين مع الحفاظ على قدرة عالية من الرقابة والتدخل العسكري السريع عند الضرورة.
بالعودة إلى غزة، كان من المفترض وفق بنود الاتفاقات الدولية أن تنسحب قوات الاحتلال إلى ما وراء الخط الأصفر تمهيداً لمرحلة ثانية تشمل إعادة الإعمار. لكن هذا السيناريو لم يتحقق، وظل 'مجلس السلام' الذي أعلن عنه سابقاً صامتاً حيال الانتهاكات المستمرة وتوسع رقعة السيطرة الإسرائيلية داخل القطاع.
أكد أمجد الشوا، رئيس شبكة المنظمات غير الحكومية الفلسطينية أن الاحتلال أعاد فرض سيطرته على مناطق واسعة كانت قد انسحبت منها القوات سابقاً. وبحسب تصريحاته، فإن إسرائيل تسيطر حالياً على نحو 60% من مساحة القطاع، مما يقلص المساحة المتاحة للعيش بشكل خانق.
يعيش حالياً نحو 2.1 مليون فلسطيني في مساحة ضيقة جداً لا تتجاوز 85 ميلاً مربعاً، حيث يقطن ثلاثة أرباعهم في خيام متهالكة. وتفتقر هذه المناطق لأدنى مقومات الحياة الكريمة، مع تراكم النفايات ونقص المياه الحاد، مما أدى إلى انتشار واسع للأمراض الجلدية والمعوية بين النازحين.
تتزايد المخاوف من تحول هذه المناطق العازلة إلى واقع دائم يكرس حالة 'اللا حرب واللا سلام' لفترات طويلة. ويواجه السكان في غزة ولبنان وسوريا تداعيات يومية قاسية نتيجة هذا الغموض القانوني والسياسي، حيث يفتقدون لأي أفق واضح للعودة إلى منازلهم أو البدء في عمليات إعادة الإعمار.
في الختام، يظل 'الخط الأصفر' رمزاً لسياسة فرض الأمر الواقع التي تتبعها إسرائيل في المنطقة، مستغلة الصمت الدولي وانشغال القوى الكبرى بأزمات أخرى. ومع استمرار الغارات المتقطعة وتدهور البنية التحتية، يبقى مستقبل ملايين الفلسطينيين معلقاً بين وعود سياسية لم تتحقق وواقع ميداني يزداد قسوة.
المصدر:
القدس