آخر الأخبار

مكتبة العنقاء في غزة: صمود الثقافة وسط حرب الإبادة

شارك

في قلب مدينة غزة المثقلة بجراح الحرب، لم تعد الوصايا تُكتب للأشخاص فحسب، بل امتدت لتشمل الذاكرة المكتوبة التي يخشى أصحابها عليها من الضياع. الشاب عمر حمد، مؤسس مكتبة 'العنقاء'، جسد هذه الحالة بكتابة كلمات وداعية لكتبه في لحظات النزوح القاسية، خوفاً من أن تلتهمها نيران الحرب أو تذروها الرياح في قطاع تتبدد فيه الأشياء بسرعة فائقة.

وشهد شارع عمر المختار بمدينة غزة، يوم الثلاثاء الماضي، افتتاح مكتبة 'العنقاء' التي اصطفت على رفوفها الخشبية آلاف الكتب التي جُمعت بعناء شديد. هذه المكتبة ليست مجرد مشروع تجاري أو ثقافي عابر، بل هي مستقر لآلاف المجلدات التي شُردت مع صاحبها 13 مرة، متنقلة بين مراكز النزوح والبيوت المدمرة قبل أن تجد مكاناً يليق بقيمتها المعرفية.

تضم المكتبة اليوم ما يزيد عن 6 آلاف كتاب تتنوع في تخصصاتها بين الأدب، والسياسة، والطب، والقانون، والعلوم الشرعية، بالإضافة إلى أمهات الكتب في الفقه والتفسير. ويبرز الأدب الفلسطيني والغزي بشكل خاص على رفوف المكتبة، في محاولة لترسيخ الهوية الوطنية وحماية السردية التاريخية للمدينة التي تواجه محاولات مستمرة للمحو الثقافي.

وأفادت مصادر مطلعة بأن العلاقة بين الإنسان والكتاب في غزة تحولت خلال حرب الإبادة إلى طور شديد القسوة، حيث اضطر البعض لاستخدام الورق كوقود للتدفئة أو الطهي نتيجة الحصار الخانق. وفي ظل هذا الواقع، يأتي افتتاح 'العنقاء' كفعل مقاوم يهدف لإبقاء العقل حاضراً ومواجهة الظروف التي تستنزف الوعي الإنساني وتضغط على الحياة اليومية.

المكتبة لم تكن جهداً فردياً محضاً، بل كانت ثمرة تبرعات ومبادرات مجتمعية، حيث قدم مواطنون كتباً عن أرواح الشهداء لدعم هذا الصرح الثقافي. ومن بين المقتنيات الثمينة التي وصلت للمكتبة مجموعة نادرة بعنوان 'إتحاف الأعزة في تاريخ غزة'، والتي تبرعت بها عائلة أحد الشهداء لتكون جزءاً من ذاكرة المدينة الجماعية.

وبسبب الواقع الاقتصادي المتردي الذي يفرضه الحصار، قرر القائمون على المكتبة اعتماد نظام الإعارة المجانية للكتب، سعياً لتمكين الطلاب والباحثين من الوصول إلى المعرفة. ويقول حسام حمد، أحد المشاركين في التأسيس إن الهدف هو أن تكون المكتبة 'معول بناء' في المجتمع، تمنح الناس فرصة للقراءة حين تضيق بهم سبل العيش الكريم.

واستقطبت المكتبة منذ ساعاتها الأولى رواداً وجدوا فيها ملاذاً نفسياً بعيداً عن ضجيج الطائرات وأخبار الموت، حيث تصف نونياز أبو راس، وهي مهندسة أنظمة حاسوب، المكان بأنه نافذة للأمل. وترى نونياز أن الفكر يظل المساحة الوحيدة التي تستعصي على المصادرة في زمن الحرب، وأن القراءة تقرب الإنسان من حرية طال انتظارها.

هذه الكتب جزء من شخصيتي وكياني وروحي، وأخيراً أعطيتهم مكانة خاصة تليق بهم بعد رحلة نزوح طويلة.

أما نيلوفر أبو راس، فاعتبرت دخولها للمكتبة بمثابة عبور من ضجيج الخارج إلى فسحة من الهدوء والاتساع النفسي، مشيرة إلى أن القراءة في هذا التوقيت تعيد للإنسان صلته بنفسه. وأكدت أن المكتبة تلعب دوراً يتجاوز الجانب الثقافي ليصل إلى الدعم النفسي، حيث ينسى القارئ بين الرفوف أعباء المسؤوليات الثقيلة التي فرضتها الحرب.

وتواجه المكتبة تحديات جسيمة، من أبرزها الارتفاع الباهظ في تكاليف شحن الكتب وصعوبة الحصول على الإصدارات الحديثة في ظل إغلاق المعابر. ومع ذلك، يصر القائمون عليها على توفير كتب باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية وحتى اليابانية، لتكون نافذة حقيقية لسكان القطاع على الثقافات العالمية المتنوعة.

إن وجود كتب انتُشلت من تحت الركام لتعرض اليوم في 'العنقاء' يحمل دلالة رمزية عميقة على إرادة الحياة لدى الفلسطينيين، حيث تحولت هذه الكتب من ركام منسي إلى أدوات للوعي. هذه المبادرة تعكس إصراراً واضحاً على حماية الإرث الثقافي الفلسطيني من الاندثار، رغم الاستهداف الممنهج للمؤسسات التعليمية والثقافية في القطاع.

وتسعى المكتبة أيضاً لتكون مساحة للقاءات الثقافية والنقاشات الفكرية التي تجمع الشباب الغزي، مما يعزز من روح الجماعة والانتماء في وقت يسود فيه التشتت والنزوح. ويرى القائمون عليها أن كل صفحة تُقرأ هي خطوة نحو التعافي من آثار الحرب الطويلة، ومحاولة واعية لاستعادة التوازن النفسي والفكري للمجتمع.

إن قصة 'العنقاء' هي حكاية خيط رفيع يربط بين الفقد والأمل، حيث تحولت وصية عمر حمد لكتبه من صرخة خوف إلى واقع ملموس يحتفي بالكلمة. وفي غزة، حيث تضيق مساحات الأمان، تظل هذه المكتبة شاهدة على أن المعرفة هي السلاح الذي لا يمكن كسر إرادته، وأن الكتاب يظل خير جليس في أصعب الأزمان.

ويؤكد رواد المكتبة أن القراءة في زمن الجوع والنزوح ليست ترفاً، بل هي ضرورة وجودية لفهم الواقع ومحاولة تغييره، أو على الأقل الصمود فيه. فالمكتبة توفر بيئة هادئة تفتقدها معظم بيوت النازحين، مما يجعلها مقصداً يومياً لمن يبحث عن لحظة صفاء ذهني وسط ركام المدينة المحطمة.

ختاماً، تظل مكتبة 'العنقاء' نموذجاً فريداً للمبادرات الفردية التي تتحول إلى مشاريع وطنية تحفظ الذاكرة، وتثبت أن غزة التي تُدمر بيوتها، لا يمكن تدمير عقول أبنائها. فمن وصية كُتبت تحت الخوف إلى رفوف امتلأت بالأمل، تستمر الحكاية الفلسطينية في التجدد والبعث من وسط الرماد.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا