تواصل حكومة الاحتلال الإسرائيلي استغلال حالة الترقب الدولي للمواجهات الإقليمية مع إيران وجنوب لبنان لتعميق عملياتها العسكرية والسياسية في قطاع غزة. وتعتمد هذه الاستراتيجية على فرض واقع ميداني جديد بعيداً عن الأضواء، مستغلة انشغال القوى الكبرى بملفات التصعيد في المنطقة.
يرى خبراء ومحللون أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب للجنائية الدولية، يتبع سياسة 'تفريغ الاتفاقيات' بهدف إبقاء الوضع الميداني في غزة متجمداً. وتسمح هذه الحالة لجيش الاحتلال بالسيطرة على نحو نصف مساحة القطاع وتحويلها تدريجياً إلى مناطق عازلة تخدم أهدافه الأمنية طويلة الأمد.
تهدف هذه العمليات عسكرياً إلى استنزاف القدرات الفلسطينية ومنع المقاومة والحاضنة الشعبية من استعادة توازنها أو التقاط أنفاسها. كما تسعى إسرائيل سياسياً إلى حرمان الأطراف الإقليمية من استخدام ملف غزة كأداة ضغط في الصراع الأوسع الدائر في الشرق الأوسط.
ميدانياً، ارتكبت قوات الاحتلال مجزرة جديدة مساء الأربعاء في منطقة مشروع بيت لاهيا شمالي القطاع، حيث استهدفت طائرة مسيرة مجموعة من المواطنين. وأسفر القصف عن استشهاد خمسة فلسطينيين، بينهم ثلاثة أطفال، وإصابة آخرين بجروح وصفت بالخطيرة قرب أحد المساجد.
وتأتي هذه الجرائم في ظل تصاعد الانتهاكات لاتفاق وقف إطلاق النار الساري، حيث تشير تقارير رسمية إلى وقوع آلاف الخروقات منذ بدء سريان الاتفاق. وتتنوع هذه الانتهاكات بين القتل المباشر والاعتقالات التعسفية وتشديد سياسات الحصار والتجويع الممنهج ضد المدنيين.
أفادت مصادر محلية بأن الاحتلال ارتكب نحو 2400 خرق للهدنة منذ العاشر من أكتوبر الماضي، ما أدى لارتقاء مئات الشهداء. ووفقاً لبيانات وزارة الصحة، فقد سجلت هذه الفترة استشهاد 786 مواطناً وإصابة أكثر من 2200 آخرين نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة.
ويعزو مراقبون استمرار هذه الانتهاكات إلى 'الأريحية السياسية' التي يشعر بها نتنياهو، حيث لا تدفع إسرائيل ثمناً حقيقياً لجرائمها في غزة. كما أن الصمت الدولي تجاه حالات القتل اليومية المحدودة منح الاحتلال ضوءاً أخضر للاستمرار في استنزاف القطاع دون رادع.
في المسار السياسي، لا تزال المرحلة الثانية من خطة السلام المقترحة تواجه تعثراً كبيراً نتيجة الشروط الإسرائيلية والأمريكية المعقدة. وتضع واشنطن نزع سلاح حركة حماس شرطاً أساسياً قبل السماح بدخول أي قوات استقرار دولية أو لجان إدارية وطنية للقطاع.
هذا التوجه الأمريكي أدى عملياً إلى وضع الحل السياسي في 'الثلاجة'، وربط مصير غزة بنتائج المواجهة الشاملة مع إيران. ويرى مسؤولون سابقون أن الاهتمام بملف غزة تراجع في أروقة القرار بواشنطن لصالح التركيز على الجبهات المشتعلة الأخرى.
من جانبها، أبدت حركة حماس مرونة كبيرة خلال جولات التفاوض الأخيرة في القاهرة، مؤكدة رغبتها في الوصول إلى وقف دائم للحرب. ويهدف هذا الموقف الاستراتيجي إلى سحب الذرائع من يد الاحتلال الذي يحاول تصوير المقاومة كطرف معطل للحلول السياسية.
وتؤكد مصادر مطلعة أن المقاومة أبلغت الوسطاء بقرارها عدم العودة لمربع الحرب بأي شكل، شريطة ضمان حقوق الشعب الفلسطيني. ومع ذلك، تواصل إسرائيل استخدام 'آلة الموت' والتجويع كأدوات ابتزاز لدفع الشارع الفلسطيني نحو الاستسلام المطلق.
إن اختلال المعايير الدولية ساهم في تطبيع الجريمة اليومية في غزة، حيث لم تعد المجازر الصغيرة تثير استنكار المجتمع الدولي. هذا الصمت المريب يشجع الاحتلال على المضي قدماً في خطط السيطرة الميدانية وتقطيع أوصال القطاع عبر المحاور العسكرية.
يبقى الرهان الفلسطيني معقوداً على الصمود الميداني والسياسي لإفشال استراتيجية التجميد الإسرائيلية وأهدافها الأمنية. ويؤكد المحللون أن الاستقرار في المنطقة لا يمكن تحقيقه عبر بوابة خنق غزة، وأن المقاومة لن تقبل بنزع سلاحها تحت وطأة الابتزاز المعيشي.
المصدر:
القدس