تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، لليوم الثاني عشر على التوالي، منع شركات المواد الغذائية الفلسطينية في الضفة الغربية من إدخال منتجاتها إلى مدينة القدس المحتلة. ويأتي هذا الإجراء في سياق سياسة ممنهجة تهدف إلى إحكام عزل المدينة المقدسة عن محيطها الجغرافي والاقتصادي الفلسطيني، مما يضع المصانع الوطنية أمام تحديات غير مسبوقة.
وأفادت مصادر ميدانية بأن شاحنات البضائع التي تجتاز حاجز بيتونيا المخصص للتجارة منذ عام 2002، أُجبرت على العودة أدراجها ومنعت من الوصول إلى وجهتها. وأُبلغ السائقون لاحقاً بصدور قرار من وزارتي الصحة والزراعة في حكومة الاحتلال يقضي بمنع إدخال منتجات الألبان واللحوم المصنعة إلى أسواق القدس بشكل كامل.
وأكد مشهور أبو خلف، مدير عام شركة الجنيدي لتصنيع الألبان أن الشركات تواصلت مع الجهات الرسمية الفلسطينية لمتابعة القضية مع الجانب الإسرائيلي، إلا أن الأخير لم يقدم أي تبريرات فنية أو قانونية واضحة لهذا المنع. وأشار إلى أن هذا التضييق يمثل تراجعاً عن تفاهمات سابقة كانت تسمح لهذه الشركات بالعمل في القدس منذ عقود.
وتواجه الشركات الفلسطينية الست الكبرى المسموح لها بالتسويق في القدس، وهي الجنيدي والجبريني وحمودة وبينار وسنيورة والإسلامية، أزمة حادة جراء هذا القرار. وتمثل هذه المصانع النخبة الإنتاجية من بين آلاف المصانع في الضفة، حيث كانت تعتمد على سوق القدس لتصريف نحو 20% من إنتاجها اليومي.
وتتضاعف معاناة هذه المصانع مع استمرار إغلاق أسواق قطاع غزة أمامها منذ السابع من أكتوبر 2023، حيث كانت غزة تستوعب 25% من الإنتاج. وبذلك، تجد المصانع الفلسطينية نفسها فاقدة لنحو 45% من قدرتها التسويقية، مما يهدد استمرارية العمل في قطاع حيوي يمس الأمن الغذائي للمواطنين.
وأوضح بسام أبو غليون، مدير عام اتحاد الصناعات الغذائية أن منع المنتجات من دخول القدس يضع مزارعي الأبقار في مأزق حقيقي، خاصة وأن الأبقار تنتج نحو 400 طن من الحليب يومياً. وبما أن الحليب مادة سريعة التلف، فإن عدم معالجته وتصنيعه يؤدي إلى خسائر فادحة للمزارعين الذين يعتمدون على هذا الدخل اليومي.
وتشير التقديرات إلى أن الخسائر المالية قد تصل إلى ملايين الدولارات في حال استمرار هذا التعنت الإسرائيلي، الذي يتنصل من بروتوكول باريس الاقتصادي الموقع عام 1994. هذا البروتوكول كان من المفترض أن يضمن حرية انسياب السلع بين الجانبين، لكن الاحتلال يطبقه من طرف واحد لصالح منتجاته التي تغرق أسواق الضفة.
وفي ظل هذا الواقع، طالب اتحاد الصناعات الغذائية والزراعية الحكومة الفلسطينية بضرورة التدخل العاجل واتخاذ إجراءات حازمة تشمل المعاملة بالمثل. ودعا الاتحاد إلى منع دخول المنتجات الإسرائيلية المماثلة إلى أسواق الضفة الغربية كوسيلة ضغط لإجبار الاحتلال على التراجع عن قراراته التعسفية.
وعلى الصعيد القانوني، يعتزم الاتحاد والشركات المتضررة التوجه بالتماس إلى المحكمة العليا الإسرائيلية في حال الحصول على قرار رسمي مكتوب بالمنع. وسبق أن نجحت هذه الشركات في انتزاع قرارات قضائية سابقة ألغت إجراءات مماثلة لعدم وجود مسوغات صحية أو فنية تبرر منع دخول المنتجات الفلسطينية.
وتشير تسريبات من جهات ذات صلة إلى أن الاحتلال يسعى للتعامل مع منتجات الضفة الغربية كواردات قادمة من دول أجنبية، في محاولة لفرض واقع سياسي جديد. هذا التوجه يهدف إلى إلغاء الخصوصية الاقتصادية لمدينة القدس كجزء من الأراضي المحتلة المرتبطة اقتصادياً بالضفة الغربية وفق الاتفاقيات الدولية.
وفي أسواق القدس، أعرب تجار مقدسيون عن امتعاضهم من غياب البدائل الوطنية التي اعتاد عليها المستهلك، خاصة مع تصاعد حملات المقاطعة للمنتجات الإسرائيلية. وأكد أصحاب محال تجارية أن الإقبال على المنتجات الفلسطينية تضاعف مؤخراً نظراً لجودتها العالية وأسعارها المنافسة مقارنة بالمنتجات الإسرائيلية.
ويحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار هذا الحصار سيؤدي إلى إرباك كبير في سلاسل التوريد المحلية، وقد يدفع بعض المصانع إلى تقليص عدد موظفيها أو خفض ساعات العمل. كما أن تراكم كميات الحليب الخام دون تصنيع سيؤدي إلى إتلافها، وهو ما يمثل ضربة قاصمة لقطاع الثروة الحيوانية في فلسطين.
وتسعى المصانع الفلسطينية حالياً إلى البحث عن حلول بديلة لتصريف الفائض من الإنتاج في أسواق الضفة المحلية، رغم تراجع القوة الشرائية هناك. ويعود تراجع القدرة الشرائية إلى انقطاع عشرات آلاف العمال عن العمل داخل الخط الأخضر، بالإضافة إلى الأزمات المالية المتلاحقة التي تعصف بالرواتب.
ويبقى الصمود الاقتصادي في القدس والضفة رهناً بمدى قدرة المؤسسات الفلسطينية على مواجهة هذه الضغوط، وتفعيل أدوات الضغط الدولي والقانوني. وتظل المطالب الشعبية والرسمية بضرورة حماية المنتج الوطني وتعزيز استقلالية الاقتصاد الفلسطيني هي السبيل الوحيد لمواجهة سياسات العزل والتبعية التي يفرضها الاحتلال.
المصدر:
القدس