تضع الحكومة الجزائرية اللمسات الأخيرة على مشروع قانون جديد يهدف إلى إعادة تنظيم سوق العمل المحلي، مع التركيز بشكل خاص على تحسين ظروف العمال الأجانب المقيمين في البلاد. وتأتي هذه الخطوة في ظل تزايد ملحوظ للعمالة القادمة من دول إفريقيا جنوب الصحراء، والتي باتت تشكل ركيزة أساسية في قطاعات حيوية مثل البناء والزراعة والخدمات.
وخلال اجتماع وزاري عقد مؤخراً، استعرضت السلطات التنفيذية تقريراً شاملاً حول واقع اليد العاملة الأجنبية، مشددة على ضرورة مواءمة القوانين الوطنية مع الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الجزائر. ويبرز في هذا السياق الالتزام باتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 97، التي تنص صراحة على المساواة الكاملة في المعاملة بين العامل المواطن والوافد.
وتسعى التوجهات الجديدة إلى ضمان حصول العمال الأجانب على أجور عادلة تماثل نظراءهم من الجزائريين، بالإضافة إلى شمولهم بأنظمة الحماية الاجتماعية والتأمين الصحي. وتهدف هذه الإجراءات إلى الحد من الاستغلال الذي قد يتعرض له المهاجرون في القطاعات غير الرسمية، وتحويل نشاطهم إلى القنوات القانونية الخاضعة لرقابة الدولة.
وأشارت مصادر حكومية إلى أن العرض المقدم ركز على أهمية تطوير الكفاءات الوطنية بالتوازي مع تنظيم العمالة الوافدة، وذلك لمواكبة المشاريع الاستثمارية الكبرى التي تطلقها البلاد. وتطمح الجزائر من خلال هذا التوازن إلى دعم مسار التحول الاقتصادي وتلبية الطلب المتزايد على اليد العاملة المؤهلة في مختلف التخصصات التقنية.
ويعتمد الإطار التشريعي الحالي في الجزائر على ثلاثة أنظمة رئيسية لتشغيل الأجانب، حيث يخصص 'النظام العام' لمن تتجاوز مدة عملهم ثلاثة أشهر. بينما ينظم 'النظام المؤقت' الأعمال الموسمية والقصيرة، في حين يغطي 'النظام الاستثنائي' المهام العاجلة التي لا تتعدى مدتها خمسة عشر يوماً في المرة الواحدة.
وتفرض القوانين السارية إجراءات صارمة للحصول على تصاريح العمل، تبدأ بالموافقة المبدئية وتنتهي بالحصول على تأشيرة عمل قنصلية وتسوية الوضعية المهنية داخلياً. وتحدد صلاحية هذه التصاريح بمدة عقد العمل، على أن يكون الحد الأقصى للتجديد هو سنتان، مع وجود إعفاءات لبعض الفئات مثل اللاجئين أو المشمولين باتفاقيات ثنائية.
ويرى مراقبون أن الجزائر تحولت من مجرد محطة عبور للمهاجرين نحو أوروبا إلى وجهة استقرار نهائية أو مؤقتة للكثيرين. وتعزز تقارير المنظمة الدولية للهجرة هذا الطرح، مؤكدة أن صعوبة العبور عبر البحر المتوسط دفعت آلاف المهاجرين للبحث عن فرص عمل وحياة مستقرة داخل المدن الجزائرية الكبرى.
وعلى الصعيد الأمني والسياسي، تتبنى الجزائر مقاربة شاملة تتجاوز البعد الأمني الصرف في التعامل مع ملف الهجرة غير النظامية. وقد كشفت بيانات رسمية عن ترحيل نحو 80 ألف مهاجر غير نظامي منذ مطلع عام 2024، في إطار جهود مكثفة لتفكيك شبكات الاتجار بالبشر والتهريب الدولي التي تنشط عبر الحدود.
وتؤكد السلطات الجزائرية في المحافل الدولية أن معالجة أزمة الهجرة تتطلب رؤية تنموية تدعم الاستقرار في دول المصدر الإفريقية. وتعتبر الحكومة أن تجفيف منابع الهجرة غير الشرعية يبدأ من خلق فرص عمل وتنمية حقيقية في بلدان المنشأ، مما يقلل من دوافع الشباب للمخاطرة بحياتهم في رحلات غير مأمونة.
وفي الختام، يمثل القانون المرتقب تحولاً استراتيجياً في كيفية إدارة التنوع العمالي في الجزائر، حيث يهدف إلى دمج المهاجرين في النسيج الاقتصادي بشكل رسمي. ومن شأن هذه الخطوة أن تعزز من مكانة الجزائر كدولة تحترم حقوق الإنسان والعمال، مع الحفاظ على توازن سوق العمل وحماية حقوق كافة الأطراف المتعاقدة.
المصدر:
القدس