تواجه الأوساط الإسرائيلية تفاعلات واسعة عقب الكشف عن شهادات صادمة لجنود عائدين من قطاع غزة، يصفون فيها 'جحيماً داخلياً' يطاردهم نتيجة الجرائم التي ارتكبوها بحق المدنيين الفلسطينيين. وسلطت تقارير صحفية الضوء على ما يُعرف بـ 'الإصابة الأخلاقية'، وهي حالة من تآكل الضمير تصيب الجنود بعد مشاركتهم في عمليات قتل جماعي وإبادة، مما يحول حياتهم إلى كوابيس مستمرة.
ويرى حقوقيون أن هذه الحالات لا يمكن فصلها عن السياق العام للمجتمع الإسرائيلي الذي يتعايش مع مشاهد القتل اليومي في غزة دون أزمة أخلاقية عامة. ويؤكد المتحدث باسم منظمة 'بتسيلم' أن التحقيقات يجب أن تتجاوز البعد الفردي للجنود لتفحص البنية المجتمعية التي تهمش البعد الإنساني للفلسطينيين، مما يجعل هذه الجرائم تمر دون محاسبة داخلية فورية.
في أحد الشهادات المؤلمة، يروي جندي مستعار الاسم يدعى 'يوفال' تفاصيل قتله لرجل مسن وثلاثة أطفال عزل بالقرب من طريق صلاح الدين في خان يونس. ويصف يوفال كيف انهمر الرصاص على أجسادهم حتى اندلقت أعضاؤهم الداخلية، بينما قام قائد كتيبته بالبصق على الجثث وسط صمت مطبق من بقية الجنود الذين صُدموا من بشاعة المشهد.
هذا الجندي، الذي كان يعمل مبرمجاً في شركة 'هايتك' عالمية، يعيش اليوم حالة من الذعر الدائم في تل أبيب، حيث يخشى 'ثأر الدم' من عائلات ضحاياه. ويقول إنه تخلص من جميع المرايا في منزله لأنه لا يطيق رؤية وجهه، مؤكداً أنه يفكر في الانتحار لولا وعد قطعه لوالدته، واصفاً نفسه بـ 'الوحش' الذي لا يستحق التصفيق.
وتشير المصادر إلى أن ما بدأ كشهادات فردية تحول مؤخراً إلى 'تسونامي' من الاعترافات التي تعكس حجم الفظائع المرتكبة في القطاع. ويؤكد خبراء الصحة النفسية أن عيادات التروما تشهد ضغطاً غير مسبوق من جنود يعانون من 'ندوب أخلاقية' لا تلتئم، ناتجة عن قتل أبرياء بدم بارد أو مشاهدة عمليات تنكيل ممنهجة.
من جانبها، روت الجندية 'مايا' واقعة تنكيل بأسير فلسطيني كان مقيداً ومعصوب العينين في قفص حديدي وسط البرد القارس. وتحدثت عن قيام أحد الجنود بالتبول على الأسير وسط ضحكات زملائه، مبرراً ذلك بالانتقام لأحداث السابع من أكتوبر، وهو ما ترك في نفسها شعوراً بالخزي والقذارة لا يزول رغم محاولاتها العودة لحياتها الطبيعية.
وفي شهادة أخرى، كشف الجندي 'يهودا' عن جريمة إعدام ميداني نفذها ضابط ملقب بـ 'الأمريكي' بحق شاب فلسطيني أعزل رفع يديه مستسلماً. ورغم أن الضباط الكبار في الموقع وصفوا الحادثة بأنها 'مجرد قتل'، إلا أنهم قرروا التستر عليها وإبلاغ القيادة بمقتل 'مخرب' لتجنب فتح تحقيق رسمي في الواقعة.
وتتحدث تقارير استخباراتية عن أساليب تعذيب وحشية تمارسها الوحدة 504، شملت ربط الأعضاء التناسلية للأسرى بمرابط بلاستيكية لانتزاع اعترافات تحت وطأة ألم لا يطاق. هذه الممارسات دفعت بعض الجنود المشاركين إلى التساؤل عن طبيعة 'الأسرار القذرة' الأخرى التي يخفيها الجيش في أقبية التحقيق بعيداً عن أعين الجمهور.
ويفرق المختصون النفسيون بين 'اضطراب ما بعد الصدمة' الناتج عن الخوف، وبين 'الإصابة الأخلاقية' التي تنبع من خرق القيم الإنسانية الأساسية. فالأخيرة ترافقها مشاعر الذنب والقرف والاغتراب الذاتي، حيث يكتشف الجندي بعد عودته للمنزل أن أفعاله تتناقض بشكل صارخ مع هويته التي كان يؤمن بها قبل الحرب.
وتواجه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية هذه الظاهرة بمحاولة تغيير المصطلحات، حيث ترفض وزارة الأمن الاعتراف بـ 'الإصابة الأخلاقية' كمرض رسمي. ويفضل المسؤولون استخدام مصطلح 'إصابة هوياتية' لإلقاء اللوم على شخصية الجندي بدلاً من تحميل القيادة مسؤولية الأوامر التي أدت لارتكاب تلك الفظائع.
ويرى مراقبون أن هذا التهرب الرسمي يهدف للحفاظ على أسطورة 'الجيش الأكثر أخلاقية في العالم'، رغم أن الواقع على الأرض يثبت عكس ذلك تماماً. فالاعتراف بوجود أزمة أخلاقية يعني الإقرار ضمناً بارتكاب جرائم حرب ممنهجة، وهو ما تسعى الحكومة الإسرائيلية لتجنبه أمام المحافل الدولية والقانونية.
الجنود الذين تحدثوا لوسائل الإعلام أكدوا أن المجتمع الإسرائيلي يعيش في حالة انفصام، حيث يتم استقبال القتلة كأبطال في مدنهم. هذا التناقض يزيد من حدة الألم النفسي للمقاتلين الذين يدركون في قرارة أنفسهم أنهم ارتكبوا أفعالاً لا يمكن الكفارة عنها، مما يدفع ببعضهم إلى العزلة التامة أو المصحات النفسية.
وتكشف الشهادات أيضاً عن تفشي ظاهرة النهب وتدمير الممتلكات الخاصة في غزة كنوع من التسلية أو الانتقام غير المبرر. هذه السلوكيات، التي كانت تتم بمباركة أو صمت القادة الميدانيين، ساهمت في تعميق الشعور بالانحلال الأخلاقي لدى الجنود الذين وجدوا أنفسهم يتحولون إلى لصوص ومجرمين في بيئة غابت عنها الرقابة.
في نهاية المطاف، تظل هذه الاعترافات جزءاً يسيراً من حقيقة ما جرى ويجري في قطاع غزة منذ أكثر من عامين. ومع استمرار الحرب، يتوقع الخبراء أن تتسع دائرة المتضررين نفسياً وأخلاقياً لتشمل أجيالاً كاملة من الإسرائيليين الذين شاركوا أو صمتوا عن حرب الإبادة الجماعية المستمرة بحق الشعب الفلسطيني.
المصدر:
القدس