آخر الأخبار

غزة: تفاقم الأزمة الإنسانية والسياسية مع تعثر الحلول

شارك

د. فادي جمعة: تفاقم المجاعة وانتشار الأمراض والأوبئة في القطاع بطريقة مُدارة جعلا المجتمع هشاً وأصبحت الأزمة الإنسانية نفسها أداة ضغط سياسي

طلال عوكل: مواجهة هذا الواقع تتطلب إنهاء الانقسام الفلسطيني باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لتفعيل ضغط حقيقي على واشنطن لإلزام إسرائيل بتنفيذ خطة ترمب

نعمان توفيق العابد: لجنة التكنوقراط تحولت إلى واحدة من المشكلات بدلاً من أن تكون مدخلاً للحل لأن مهامها وطبيعة مرجعيتها السياسية والإدارية غير واضحتين

د. جمال حرفوش: معالجة الأزمة تحتاج لمقاربة شاملة تجمع بين السياسية والقانونية والإنسانية وإلا فستبقى مجرد إدارة مؤقتة للأزمة لا حلًا حقيقيًا لها

سامر عنبتاوي: إسرائيل تستخدم ملف سلاح المقاومة ذريعة لتعطيل تنفيذ بقية الالتزامات وفرض واقع أمني والعودة إلى الحرب الشاملة باتت أقرب

عدنان الصباح: استمرار لجنة التكنوقراط بصيغتها الحالية يمنح إسرائيل والولايات المتحدة والوسطاء "غطاءً قانونياً وشكلياً" يوحي بأن خطوات التنفيذ بدأت

رام الله - خاص بـ "القدس"-

يتعمق المشهد في قطاع غزة نحو مرحلة أكثر تعقيداً، مع تداخل الانهيار الإنساني المتسارع مع تعثر المسارات السياسية والإدارية المطروحة لإدارة القطاع، في وقت تتسع فيه رقعة المجاعة والأمراض، وسط استمرار الحصار وغياب أي أفق واضح لاحتواء الأزمة المتفاقمة.

ويؤكد كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن الطروحات التي رافقت تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة "لجنة التكنوقراط" يعتريها غياب مرجعية سياسية موحدة، واستمرار التهديدات العسكرية، الأمر الذي جعل أيّ حلول جزئية تبدو عاجزة عن ملامسة جذور الأزمة.

ويحذّر الكتاب والمختصون وأساتذة الجامعات من أن استمرار هذا الواقع قد يدفع غزة إلى مزيد من الهشاشة، مع بقاء السكان بين ضغط إنساني متصاعد وحالة من اللااستقرار المفتوح، فيما تتراجع فرص الوصول إلى معالجة شاملة تعيد ربط البعد الإنساني بالحل السياسي المطلوب.





أزمة سياسية بنيوية أعمق


يؤكد أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العربية الأمريكية د. فادي جمعة أن ما تشهده غزة في المرحلة الحالية لا يمكن اختزاله في كونه أزمة إدارية يمكن معالجتها من خلال تشكيل لجنة تكنوقراط أو هيئة إدارية مؤقتة، بل يعكس أزمة سياسية بنيوية أعمق ترتبط بطبيعة النظام السياسي الفلسطيني وتعقيدات الواقع الميداني والإنساني الذي يعيشه القطاع منذ أشهر طويلة.

ويوضح جمعة أن طرح تشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة القطاع يبدو في ظاهره محاولة لتقديم صيغة عقلانية لتحييد الانقسام السياسي الداخلي، عبر إبعاد القوى الفصائلية عن إدارة الشأن اليومي، إلا أن هذا الطرح يصطدم بواقع مختلف تماماً، يتمثل في أن غزة لا تعيش ظروفاً إدارية طبيعية، وإنما حالة صراع مفتوح تتداخل فيها ملفات السلطة مع السيادة، والإدارة مع البقاء، والسياسة مع الأمن، الأمر الذي يجعل أي صيغة إدارية منفصلة عن السياق السياسي العام عرضة للفشل.


غياب إطار سياسي جامع


ويشير جمعة إلى أن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في الخلافات الإدارية، وإنما في غياب إطار سياسي جامع يمنح أي صيغة تنفيذية أو إدارية معنى حقيقياً وقابلية للاستمرار، مبيناً أن أي لجنة مهما بلغت كفاءتها المهنية لن تكون قادرة على تحقيق نتائج ملموسة في ظل غياب مرجعية سياسية موحدة وقرار وطني واضح وبيئة مستقرة نسبياً تسمح بتنفيذ مهامها.

وفي ما يتعلق بالوضع الإنساني، يعتبر جمعة أن تفاقم المجاعة وانتشار الأمراض والأوبئة في القطاع يعكس انتقال الأزمة من بعدها السياسي إلى مستوى كارثي إنساني مُدار، موضحاً أن ما يجري ليس مجرد نتيجة جانبية للحرب، وإنما نتاج سياسات متواصلة من الحصار والاستنزاف جعلت المجتمع في حالة هشاشة مستمرة، بحيث أصبحت الأزمة الإنسانية نفسها جزءاً من أدوات الضغط السياسي.


بين تهدئة مؤقتة وانفجار محتمل


ويعتقد جمعة أن التهديدات الإسرائيلية المتكررة بالعودة إلى الحرب تعمّق حالة عدم الاستقرار، وتُبقي غزة في وضع "تعليق دائم" بين تهدئة مؤقتة وانفجار محتمل في أي لحظة، وهو ما يفرغ أي جهد إداري أو إغاثي من مضمونه، لأن الاستقرار يمثل شرطاً أساسياً لأي عملية إدارة أو إعادة إعمار.

ويبيّن جمعة أن المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من عدم الاستقرار، مع استمرار نمط "اللا سلم واللا حرب"، حيث يبقى الهدوء هشاً وقابلاً للانهيار تحت ضغط الحسابات الإسرائيلية أو نتيجة الانفجار الإنساني الداخلي، لافتاً إلى أن هذا الواقع لا ينتج حلولاً بقدر ما يؤجل الانفجار.

ويشدد جمعة على أن المطلوب لا يقتصر على حلول جزئية أو مؤقتة، بل يبدأ بإعادة إدماج البعد السياسي في إدارة الأزمة، إلى جانب إعادة بناء مرجعية فلسطينية موحدة عبر تفعيل دور منظمة التحرير الفلسطينية، مع ضرورة الفصل بين الاحتياجات الإنسانية والتجاذبات السياسية، وتحريك جهد إقليمي ودولي أكثر جدية لفرض الحد الأدنى من الاستقرار، مؤكداً أن أي معالجة تقتصر على البعد الإداري وحده لن تقود إلا إلى تأجيل أزمة مرشحة للتفاقم بصورة أكثر عنفاً.


الحرب الإسرائيلية لم تتوقف فعلياً


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل أن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الخاصة بقطاع غزة منذ دخولها حيّز التنفيذ منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لم ينعكس على الواقع الميداني في القطاع، مشيراً إلى أن الحرب الإسرائيلية لم تتوقف فعلياً، وإنما استمرت بأدواتها السابقة ذاتها، ولكن بوتيرة أقل حدة وبصمت دولي لافت.

ويوضح عوكل أن قطاع غزة ما زال يواجه سياسات التجويع والحصار والاغتيالات والقصف، إلى جانب تدمير مقومات الحياة وتقنين إدخال المساعدات الإنسانية، في وقت تشهد فيه الأسواق ارتفاعاً غير مسبوق في الأسعار، مع غياب العديد من المواد الأساسية، معتبراً أن الفارق الوحيد في المرحلة الحالية يتمثل في أن هذه الإجراءات تُمارس بعيداً عن أي ضغط حقيقي من المجتمع الدولي أو الوسطاء أو حتى صمت "مجلس السلام".


تواطؤ واضح مع إسرائيل


ويشير عوكل إلى أن هناك تواطؤاً واضحاً تجاه عدم التزام إسرائيل بما كان يفترض أن تنفذه خلال المرحلة الأولى من الاتفاق، موضحاً أن الحكومة الإسرائيلية تسعى إلى تجاوز هذه المرحلة نحو المرحلة الثانية، مع ربط ذلك بتسليم حركة حماس سلاحها، وهو ما يعكس رغبة إسرائيلية في فرض شروط سياسية جديدة تعطل المسار القائم.

ويلفت عوكل إلى أن إسرائيل تعمل كذلك على منع انطلاق عملية إعادة الإعمار، وإعاقة أي دور فعلي للجنة التكنوقراط، لافتاً إلى أنها لم تسمح حتى الآن لأعضاء اللجنة بالعودة إلى قطاع غزة، فيما تتماهى الإدارة الأميركية مع هذا السلوك الإسرائيلي بدل الضغط لتنفيذ بنود الخطة.

ويرى عوكل أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يريد إبقاء غزة جبهة مفتوحة يمكن العودة إليها عسكرياً كلما هدأت جبهات أخرى، معتبراً أن الحرب على إيران وفرت غطاءً سياسياً وإعلامياً لما يجري داخل القطاع.


تصحيح المسار الفلسطيني الداخلي


ويشدد عوكل على أن مواجهة هذا الواقع تتطلب تصحيح المسار الفلسطيني الداخلي وإنهاء حالة الانقسام، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لتفعيل ضغط عربي وإسلامي ودولي حقيقي على واشنطن، بما يجبرها على إلزام إسرائيل بتنفيذ خطة ترمب، مؤكداً أن فرص نجاحها ستبقى محدودة في ظل التواطؤ الأميركي وضعف دور الوسطاء.


الاتفاق منذ بدايته يحمل ألغاماً سياسية وقانونية


يرى الكاتب والباحث السياسي والمختص في العلاقات الدولية نعمان توفيق العابد أن التحذيرات التي أُطلقت منذ الإعلان عن التفاهمات المرتبطة بقمة شرم الشيخ وخطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن قطاع غزة بدأت تتجسد على الأرض، مشيراً إلى أن الاتفاق منذ بدايته حمل "ألغاماً سياسية وقانونية" بسبب اعتماده على عناوين عامة دون وجود تفاصيل واضحة تنظم آليات التنفيذ أو تحدد المرجعيات والالتزامات المطلوبة من الأطراف المختلفة.

ويوضح العابد أن القضايا التي تناولتها الخطة الأميركية تتعلق بملفات "استراتيجية وحساسة"، تشمل إدارة قطاع غزة ومستقبل الحكم فيه، وهي ملفات لم تحظَ بتوافق فلسطيني داخلي، ولا بتفاهم فلسطيني إسرائيلي، ولا حتى بتصور أميركي واضح المعالم، ما جعلها عرضة للانفجار في أي لحظة. ويؤكد العابد أن كل طرف ينظر إلى هذه الملفات باعتبارها مرتبطة بحساباته السياسية والأمنية، الأمر الذي جعل أي تنازل فيها يُنظر إليه كخسارة استراتيجية.


تحول لجنة التكنوقراط إلى جزء من المشكلة


وفي ما يتعلق بلجنة التكنوقراط الفلسطينية، يرى العابد أنها تحولت إلى واحدة من المشكلات بدلاً من أن تكون مدخلاً للحل، موضحاً أن ولادتها كانت صعبة داخلياً وخارجياً، وأن الحديث عنها جرى دون تحديد واضح لمهامها أو جدول عملها أو مواعيد دخولها إلى القطاع أو مصادر تمويلها أو طبيعة مرجعيتها السياسية والإدارية، فضلاً عن غياب الوضوح بشأن علاقتها بالفصائل الفلسطينية والسلطة الفلسطينية.

ويعتبر العابد أن غياب هذه المحددات جعل اللجنة إطاراً غير مكتمل، خاصة في ظل استمرار الوجود الإسرائيلي داخل القطاع.

ويشير العابد إلى أن المتضرر الأكبر من تعثر تنفيذ الاتفاق يبقى الشعب الفلسطيني، الذي لا يزال يواجه استمرار القصف والحصار وتدهور الأوضاع الإنسانية والمعيشية، مع غياب مقومات الحياة الأساسية في قطاع غزة، واستمرار سقوط الضحايا، وانتشار الأمراض نتيجة نقص الدواء وتعطل الخدمات البلدية والصحية.

ويلفت العابد إلى أن تقليص المساحات المتاحة للأهالي داخل القطاع، مع حصرهم في مناطق ضيقة، ينذر بتداعيات اجتماعية خطيرة قد تظهر آثارها بشكل أوسع في المستقبل.


فرص الحل ما تزال محدودة


وعلى مستوى المشهد السياسي، يرى العابد أن فرص الحل ما تزال محدودة في ظل غياب ضغط حقيقي على إسرائيل لتنفيذ التزاماتها، مشيراً إلى وجود تماهٍ أميركي مع الموقف الإسرائيلي، مقابل تحركات أوروبية وصفها بأنها ما تزال دون مستوى التأثير الفعلي.

ويعتبر العابد أن القيادات الفلسطينية، سواء الرسمية أو الفصائلية، لم ترتقِ حتى الآن إلى مستوى خطورة ما يجري على الأرض الفلسطينية، ولا زال الانقسام يراوح مكانه، بل تعمق.

ويشدد العابد على أن المدخل الأساسي لأي حل يبدأ بإعادة ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، وبلورة قيادة ترتقي إلى حجم التحديات القائمة، ثم إعادة طرح ملف غزة والقضية الفلسطينية ضمن رؤية جديدة لا تُبنى على العناوين التي تفرضها إسرائيل، محذراً من أن استمرار تنفيذ الاتفاق بصيغته الحالية قد يقود في نهاية المطاف إلى تكريس واقع سياسي يهدد بتصفية القضية الفلسطينية بدلاً من إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية.


اصطدام لجنة التكنوقراط بجوهر الأزمة


يحذّر أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل، د. جمال حرفوش، من أن قطاع غزة يعيش مرحلة من أكثر المراحل تعقيدًا منذ سنوات، في ظل تداخل الأزمة السياسية مع الانهيار القانوني والتدهور الإنساني، معتبرًا أن المشهد القائم يعكس "أزمة بنيوية شاملة" تتجاوز حدود الإغاثة العاجلة إلى خلل عميق في بنية الحكم والإدارة داخل القطاع.

ويوضح حرفوش أن طرح تشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة قطاع غزة جاء في الأساس كمخرج إداري لتجاوز الانقسام الفلسطيني الداخلي، إلا أن هذا الطرح اصطدم سريعًا بجوهر الأزمة المتمثل في غياب التوافق الفلسطيني على مرجعية سياسية موحدة، إلى جانب انعدام الإرادة الدولية القادرة على ضمان نجاح أي صيغة جديدة، فضلًا عن استمرار القيود الإسرائيلية المفروضة على المعابر والميدان، وهي عوامل جعلت اللجنة "تولد في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من فرص النجاح".


إدارة بلا سيادة


ويشير حرفوش إلى أن الواقع الحالي في غزة يمكن توصيفه سياسيًا وقانونيًا بحالة "إدارة بلا سيادة"، حيث لا توجد جهة قادرة على ممارسة صلاحياتها العامة بصورة كاملة، سواء في إدارة الموارد أو ضبط الأمن أو ضمان استمرار الخدمات الأساسية، موضحًا أن هذا الفراغ المؤسسي لا يبقى محصورًا في الجانب الإداري فقط، بل يتحول تدريجيًا إلى بيئة خصبة للفوضى والتدهور الاجتماعي والاقتصادي.


الأوضاع في القطاع بلغت مرحلة حرجة للغاية


وعلى المستوى الإنساني، يؤكد حرفوش أن الأوضاع في القطاع بلغت مرحلة حرجة للغاية، مشيرًا إلى أن المجاعة لم تعد مجرد تحذيرات أممية، بل أصبحت خطرًا مباشرًا يهدد شرائح واسعة من السكان، خصوصًا الأطفال، في وقت تتفاقم فيه الأمراض نتيجة تدمير البنية الصحية، وتراجع خدمات المياه، وسوء شبكات الصرف الصحي، مع استمرار التهديدات الإسرائيلية بالعودة إلى العمليات العسكرية، الأمر الذي يجعل أي تحسن إنساني هشًا وقابلًا للانهيار في أي لحظة.


ثلاثة سيناريوهات محتملة


ويرى حرفوش أن المرحلة المقبلة قد تتجه نحو ثلاثة سيناريوهات رئيسية، أولها استمرار التهدئة الهشة مع مزيد من التدهور الإنساني والعجز المؤسسي، وهو السيناريو الأقرب، وثانيها العودة إلى التصعيد العسكري بما يحمله من كارثة مضاعفة، أما السيناريو الثالث والأقل احتمالًا فيتمثل في تحقيق تقدم سياسي يسمح بتثبيت وقف إطلاق النار وفتح المعابر وتمكين جهة مدنية من إدارة الشأن اليومي.


الحاجة إلى مقاربة شاملة


ويشدد حرفوش على أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تتم عبر حلول جزئية أو تقنية فقط، بل تحتاج إلى مقاربة شاملة تبدأ بوقف إطلاق نار مستدام، وفتح فعلي للمعابر، وتحقيق توافق فلسطيني واضح على إدارة القطاع، إلى جانب إعادة بناء المنظومة الإدارية والأمنية، وإطلاق مسار إعادة إعمار يرتبط باحتياجات السكان، مؤكدًا أن أي مقاربة لا تجمع بين الأبعاد السياسية والقانونية والإنسانية ستبقى مجرد إدارة مؤقتة للأزمة، لا حلًا حقيقيًا لها.


التكنوقراط.. كيان بلا صلاحيات فعلية


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي سامر عنبتاوي أن لجنة التكنوقراط التي طُرحت ضمن الرؤية الأميركية لمرحلة ما بعد وقف إطلاق النار في قطاع غزة، كانت تُفترض أن تشكل إطاراً انتقالياً لإدارة الشؤون المدنية والإنسانية في القطاع، إلا أن عدم التزام إسرائيل ببنود الاتفاق حوّلها إلى كيان بلا صلاحيات فعلية، وأبقى القطاع تحت وطأة الحصار والانهيار الإنساني والتهديد المستمر بالعودة إلى الحرب الشاملة.

ويوضح عنبتاوي أن تشكيل اللجنة جاء في سياق التفاهمات التي رافقت ما يسمى بـ"مجلس السلام"، وبمشاركة ورقابة من دول الوساطة العربية والإسلامية الثماني، بهدف وقف الحرب الإسرائيلية، ووقف نزيف الدم، وتهيئة الظروف لإعادة الحد الأدنى من الحياة في غزة، بعد الدمار الواسع الذي طال المستشفيات والمدارس والمباني السكنية، وما تبعه من نزوح مئات الآلاف إلى الخيام، وانهيار قطاعات المياه والصحة والتعليم والخدمات الأساسية.

ويشير عنبتاوي إلى أن اللجنة تشكلت بوصفها لجنة مستقلة من المهنيين لإدارة مرحلة انتقالية، كان من المفترض أن تتولى إعادة تنظيم الحياة اليومية ومعالجة الأزمات المتراكمة في الغذاء والمياه والرعاية الصحية والتعليم، غير أن إسرائيل لم تنفذ التزامات المرحلة الأولى من الاتفاق، ولم تسمح بالانتقال إلى المرحلة الثانية التي كان يفترض أن تتسلم خلالها اللجنة مهامها داخل القطاع، بل منعت أعضاءها من العودة إلى غزة، ما أفقدها أي قدرة حقيقية على العمل.

ويؤكد عنبتاوي أن اللجنة بقيت قائمة من الناحية الشكلية فقط، من دون دور فعلي على الأرض، بينما استمرت إسرائيل في فرض سيطرتها على أكثر من نصف مساحة القطاع، مع مواصلة عمليات القتل والاستهداف والتجريف، إلى جانب تكريس واقع أمني يجعل غزة منطقة غير قابلة للحياة الطبيعية، ويدفع سكانها نحو مزيد من التهجير والمعاناة.


الوسطاء وترك غزة تواجه مصيرها


ويرى عنبتاوي أن الضامنين الدوليين والوسطاء الذين رعوا الاتفاق تركوا غزة تواجه مصيرها منفردة، في وقت استفادت فيه إسرائيل من انشغال العالم بالحرب في الإقليم لتحييد ما يجري داخل القطاع عن دائرة الاهتمام الإعلامي والسياسي، الأمر الذي سمح باستمرار إدخال المساعدات بكميات محدودة، وتعطيل حركة المرضى، وإبقاء معابر القطاع تحت قيود مشددة.


ملف السلاح ذريعة لتعطيل تنفيذ بقية الالتزامات


ويؤكد عنبتاوي أن إسرائيل تستخدم ملف سلاح المقاومة ذريعة لتعطيل تنفيذ بقية الالتزامات، وفرض واقع أمني دائم داخل القطاع، محذراً من أن احتمال العودة إلى الحرب الشاملة بات أقرب إلى الواقع في ظل الصمت الدولي القائم.

ويشدد عنبتاوي على أن مواجهة هذا المسار تتطلب موقفاً فلسطينياً موحداً، إلى جانب تحرك عربي وإسلامي أكثر فاعلية، خاصة من الدول الراعية للاتفاق، من أجل إلزام إسرائيل بتنفيذ المراحل الانتقالية، وتحمل مسؤولياتها القانونية والسياسية، والعمل بشكل عاجل على وقف التدهور الإنساني المتسارع في قطاع غزة ودعم صمود أهله.


خديعة سياسية


يعتبر الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح أن الخطة التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن قطاع غزة لم تكن منذ بدايتها سوى "خديعة سياسية" صيغت لتحقيق أهداف محددة تتعلق بانتزاع ملف الأسرى ووقف المواجهة المباشرة، دون أن تتضمن التزاماً حقيقياً بتنفيذ أي من البنود التي تعهدت بتحسين الواقع الإنساني والسياسي للفلسطينيين في القطاع.

وبحسب الصباح، فإن ما جرى عملياً هو انتقال الحرب من شكلها المباشر إلى نمط آخر من العدوان، يقوم على القصف عن بُعد بالطائرات والمدفعية، مع استمرار سياسة الحصار والتجويع وإبقاء السكان تحت ضغط دائم، موضحاً أن الفلسطينيين وافقوا على وقف القتال وتسليم الأسرى على أساس وعود تضمنت وقفاً للنار، وفتحاً للمعابر، وتدفقاً للمساعدات، ومساراً سياسياً يتصل بالقضية الوطنية الفلسطينية، إلا أن شيئاً من ذلك لم يتحقق، بل إن الواقع اتجه إلى مزيد من التدهور.

ويوضح الصباح أن الخطة تحولت لاحقاً إلى سلسلة من المراحل المتعاقبة، جرى خلالها الانتقال إلى ما سمي "المرحلة الثانية"، التي بات عنوانها الرئيسي تسليم السلاح، بينما تراجعت القضايا الأساسية المرتبطة بالإغاثة والمياه والغذاء والإيواء والدواء إلى الهامش، رغم أن الاحتلال واصل عملياته العسكرية، وأبقى على إغلاق المعابر، واستمر في فرض الحصار على القطاع.


لجنة التكنوقراط وسحب الشرعية


ويرى الصباح أن تشكيل لجنة التكنوقراط الفلسطينية جاء بصورة مفاجئة ومن دون مشاركة فلسطينية حقيقية أو إعلان واضح من الفلسطينيين أنفسهم، معتبراً أن استمرار هذه اللجنة بصيغتها الحالية يمنح إسرائيل والولايات المتحدة والوسطاء "غطاءً قانونياً وشكلياً"، يوحي بأن خطوات التنفيذ بدأت، بينما يجري تحميل الفلسطينيين مسؤولية تعطيلها.

ويشير الصباح إلى أن الحل يتمثل في استقالة اللجنة وسحب الشرعية التي منحتها، واستبدالها بلجنة أخرى متوافق عليها من داخل قطاع غزة، من أجل إعادة تحميل الأطراف الدولية والوسطاء مسؤولياتهم تجاه تنفيذ ما تم التعهد به، بدلاً من إبقاء الفلسطينيين في موقع المتهم بالتعطيل.

ويحذر الصباح من أن استمرار اللجنة بهذا الشكل قد يكرّس عملياً فصل غزة عن الضفة الغربية، ويحول ملف القطاع إلى قضية منفصلة عن الإطار الوطني الفلسطيني.

ويعتبر الصباح أن انشغال العالم بأزمات إقليمية ودولية أخرى، من إيران ولبنان إلى أوكرانيا وأسواق الطاقة، أدى إلى تراجع القضية الفلسطينية في سلم الاهتمام الدولي، ما أتاح لإسرائيل، بحسب قوله، مواصلة عملياتها بعيداً عن الضغط الدولي الذي كان قائماً في مراحل سابقة.


ضرورة تشكيل جسم وطني موحد


ويشدد الصباح على أن إنهاء هذا الواقع يتطلب إنهاء الانقسام الفلسطيني الداخلي، وتشكيل جسم وطني موحد قادر على مخاطبة العالم بصوت سياسي واحد، محذراً من أن استمرار حالة التشتت الحالية سيجعل الفلسطينيين في مواجهة متواصلة مع تداعيات الأزمة، بدلاً من الوصول إلى حلول تنهي أصلها.

القدس المصدر: القدس
شارك

الأكثر تداولا اسرائيل إيران لبنان أمريكا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا