آخر الأخبار

ألمانيا تتمسك بحل الدولتين وتعارض فصل غزة

شارك

- نواصل دعم السلطة ونتابع بقلق تدهور الوضع بالضفة ونرفض أي خطوات إسرائيلية تقود للضم

‫- يجب الحفاظ على الوضع القائم "الستاتيكو" في الأماكن المقدسة بالقدس وضمان حرية الوصول إليها

- عقوبة الإعدام غير إنسانية ووحشية في كل مكان والتشريع الذي أقره الكنيست يثير قلقنا البالغ

‫- ينبغي أن تبقى "الأونروا" قادرة على العمل لأن دورها لا غنى عنه في توفير الإغاثة للاجئين

مهند ياسين


في مقابلة خاصة مع "القدس"، تضع رئيسة الممثلية الألمانية لدى السلطة الفلسطينية المبعوثة أنكه شليم ملامح مقاربة بلادها للملف الفلسطيني في ظل لحظة إقليمية معقدة تتقاطع فيها الحرب على غزة مع انسداد الأفق السياسي وتصاعد التوترات وتدهور الأوضاع في الضفة الغربية، بما فيها القدس، مؤكدة تمسك ألمانيا بحل الدولتين، وسعيها لتخفيف التداعيات الإنسانية، والمساهمة في ترتيبات "اليوم التالي" بما يضمن تحسين حياة السكان ويمنع تكريس فصل القطاع سياسياً أو إدارياً.

وتكشف المقابلة انخراطاً ألمانيّاً متزايداً في ملفات الإغاثة والإنعاش المبكر، حيث تقدم برلين دعماً واسعاً عبر الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، وتؤكد رفضها لأي نماذج تسيّس العمل الإنساني أو تربطه بالتحكم الأمني. كما تشدد على دعمها المستمر للسلطة الفلسطينية في مواجهة أزمتها المالية الخانقة، بالتوازي مع متابعة حثيثة لبرامج الإصلاح السياسي والإداري، في وقت تواصل فيه انتقاد الاستيطان وعنف المستوطنين، ورفض أي خطوات إسرائيلية تقود إلى ضم فعلي للأراضي الفلسطينية، محذرة من تداعيات ذلك على مستقبل حل الدولتين ووحدة الأراضي الفلسطينية.

وفي المقابل، تعكس إجابات شليم توازناً دقيقاً في الموقف الألماني، بين الالتزام بالقانون الدولي وحقوق الإنسان، وبين اعتبارات تاريخية وسياسية داخلية، وهو ما يظهر في التعاطي مع ملفات حساسة، من الاعتراف بدولة فلسطين، إلى قانون إعدام الأسرى، ودعم "الأونروا"، والموقف من التحركات القانونية الدولية. كما تبرز المقابلة استمرار الجدل داخل ألمانيا حول حدود الدعم لإسرائيل، في ظل تصاعد الانتقادات الأوروبية والدولية، مقابل تأكيد برلين على أولوية المسار الدبلوماسي في معالجة الأزمات الإقليمية، والسعي إلى تثبيت وقف إطلاق النار، ومنع اتساع رقعة المواجهة، وصولاً إلى تفاهمات أكثر استدامة في المنطقة.

وفيما يلي نص المقابلة:


الحضور السياسي*كيف تفسرون عدم قيام المستشار الألماني فريدريش ميرتس بزيارة فلسطين حتى الآن، رغم تأكيد برلين رغبتها في الاضطلاع بدور سياسي فاعل في المنطقة؟ وكيف تنظرون إلى أهمية مثل هذه الزيارة في السياق السياسي الراهن؟

تدعم الحكومة الألمانية استئناف عملية سياسية تفضي إلى التوصل إلى حل سلمي للصراع في الشرق الأوسط، ينتج عنه قيام دولتين تتمتعان بالسيادة وتعترفان ببعضهما البعض، هما إسرائيل وفلسطين. ويتمحور الاهتمام حالياً، على نحو خاص، حول الصراع العسكري مع إيران وتداعياته. ومع ذلك، تبقى ألمانيا مركزة على هدفها، فنحن نريد تقديم مساهمة من أجل تحسين الوضع الإنساني للسكان في قطاع غزة، كما نريد المشاركة في صياغة ترتيبات ما بعد الحرب هناك، بما يضمن تحسين حياة الناس في غزة بصورة مستدامة.

وفي الوقت ذاته، نتابع بقلق تدهور الوضع في الضفة الغربية، في ظل التصعيد الهائل في أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون، والهجمات شبه اليومية على الفلسطينيين، والزيادة المستمرة في بناء المستوطنات، والمضي قدماً في خطوات تفضي إلى الضم الإسرائيلي الفعلي للأراضي. وفي ظل هذه الظروف الصعبة، نواصل دعم السلطة الفلسطينية بوصفها شريكاً لنا اقتصادياً وسياسياً، ويقدّر الفلسطينيون هذا الدعم الألماني المتعدد الأوجه. وقد زار كل من وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول ووزيرة التنمية ريم العبلي رادوفان رام الله في نهاية العام الماضي. وآمل أن يزور المستشار الألماني فريدريش ميرتس الأراضي الفلسطينية في المستقبل.


إعمار غزة بشروط الاستقرار

* في ظل استمرار الحرب على غزة وتعثر المسارات السياسية، كيف تنظر ألمانيا إلى دورها في التعافي المبكر وإعادة الإعمار؟

صرّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس العام الماضي بأن ألمانيا مستعدة للمساهمة في تقديم الدعم لإعادة إعمار غزة. وتُعدّ ألمانيا بالفعل أكبر مانح للمساعدات الإنسانية، وأكبر مانح ثنائي في مجال التعاون التنموي. وفي الوقت الذي نتحدث فيه الآن، نقدّم عملياً الدعم لتدابير الإنعاش المبكر في قطاع غزة، وتشمل هذه الإجراءات توفير المساكن المؤقتة، وإعادة تأهيل الخدمات الأساسية مثل المياه والرعاية الطبية، وغير ذلك. وننفذ هذه الإجراءات عبر الأمم المتحدة ومنظماتها المختلفة، والمنظمات الشريكة غير الحكومية المحلية والدولية.

لكننا نعتقد أن إعادة الإعمار على المدى الطويل تتطلب ظروفاً إطارية أكثر قوة واستقراراً من أجل تنفيذها وضمان استدامتها. ويشمل ذلك التنفيذ الكامل والأمين لخطة النقاط العشرين، وكذلك قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803، ولا سيما التدابير المقررة فيه بهدف استقرار الوضع الأمني، فضلاً عن إنشاء هياكل انتقالية قادرة على العمل. وفي إطار التزامنا تجاه غزة، نسترشد بمبادئ واضحة، وهي "نهج فلسطين الواحدة"، وعملية إعادة إعمار يقودها الفلسطينيون أنفسهم. وتمثل "الخطة العربية" وخطط السلطة الفلسطينية أساساً جيداً لهذا المسار.


غزة بلا فصل سياسي

* كيف تنظر برلين إلى التعاون مع اللجنة الوطنية لإدارة غزة؟

تُظهر الأزمة الإنسانية المستمرة في غزة، ومقتل أكثر من 750 فلسطينياً منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، أن هناك حاجة ملحّة للتحرك نحو اتخاذ إجراءات ملموسة. يجب نزع سلاح حماس، ولا يجوز السماح لها بمواصلة تعزيز سلطتها من دون عائق. كما يجب أن تستند الحلول المستدامة لغزة إلى شرعية سياسية ومؤسسية واضحة. وقد أرست خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المكوّنة من 20 نقطة، وقرار مجلس الأمن رقم 2803، الأساس لذلك.

ونحن على استعداد للتعاون مع اللجنة الوطنية الانتقالية لغزة "NCAG" بوصفها هيكلاً انتقالياً يهدف إلى تحسين أوضاع السكان في غزة بسرعة، وتمهيد الطريق أمام حل سياسي مستدام. وفي الوقت ذاته، نرى أن أي فصل سياسي أو إداري لغزة يتنافى مع الأهداف السياسية للحكومة الألمانية. ومن هنا، ينبغي أن تعمل الهياكل الانتقالية للجنة الوطنية لإدارة غزة بشكل مكثف، وبتنسيق وثيق، وعلى جميع المستويات، مع السلطة الفلسطينية. كما أن التقسيم الفعلي الحالي لغزة إلى جزء يخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي، وجزء يخضع بشكل متزايد لسيطرة حماس، يتعارض مع نهج "غزة واحدة".


إسناد صمود السلطة

* تؤكد ألمانيا دعمها المستمر للسلطة الفلسطينية، لكن الأزمة المالية الخانقة للسلطة تتفاقم مع استمرار احتجاز إسرائيل لعائدات المقاصة. في ظل هذه الظروف هل هناك تحرك ألماني أو أوروبي لمعالجة الأسباب الهيكلية لهذه الأزمة؟

يضع احتجاز إسرائيل غير القانوني لعائدات الجمارك والضرائب السلطة الفلسطينية أمام تحديات مالية جدية. وينعكس هذا الأمر على المجتمع بأسره، إذ لا يتلقى موظفو القطاع العام رواتب كاملة منذ شهور. ونحن نرى أن المسؤولية في هذا الشأن تقع بوضوح على عاتق الحكومة الإسرائيلية. لكننا نرغب أيضاً في تقديم مساعدة ملموسة. لذلك، قررت الحكومة الألمانية في الخريف الماضي تقديم مساعدة مالية مباشرة لميزانية السلطة الفلسطينية بقيمة 30 مليون يورو. وقد تم تحويل هذه الأموال بالفعل إلى السلطة الفلسطينية في عام 2025 عبر آلية الاتحاد الأوروبي "PEGASE". وبذلك أرسلنا رسالة واضحة، مفادها أنه لا يمكن لأي حكومة في العالم أن توفر الخدمات الأساسية لشعبها على المدى الطويل من دون حصولها على عائدات ضرائبها. لذلك، نحن ندعم شركاءنا الفلسطينيين بهذه الخطوة الاستثنائية.

كما يُشكّل برنامجنا الإنمائي طويل الأمد المقدم للشعب الفلسطيني، والذي تبلغ قيمته حالياً نحو مليار يورو، ويشمل مجالات التنمية الاقتصادية، وتعزيز فرص العمل، والبنية التحتية للمياه والبيئة، إضافة إلى دعم السلام والتماسك الاجتماعي، جزءاً أساسياً من التزام ألمانيا. وبصفتنا أكبر مانح ثنائي في مجال التعاون الإنمائي، فإننا نفخر بشبكة تعاون واسعة ووثيقة مع شركائنا الفلسطينيين.


إصلاحات مطلوبة وزخم مستمر

* كيف تنظر برلين إلى ملفات الإصلاح السياسي في السلطة الفلسطينية؟ وهل ترون أن هذه الإصلاحات قابلة للتحقيق في ظل ظروف الاحتلال والانقسام والأزمة المالية؟

نرحب بدرجة كبيرة جداً بتنفيذ حكومة التكنوقراط الفلسطينية برئاسة رئيس الوزراء الدكتور محمد مصطفى برنامج إصلاح طموح، يحظى أيضاً بدعم الرئيس محمود عباس. وتواكب ألمانيا هذه الإصلاحات عن كثب بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، وقد تم إحراز تقدم ملحوظ في هذا المجال. ففي قطاع التعليم المدرسي، نرى أن وزارة التربية والتعليم حريصة على الإصلاح، وقد اتخذت خلال الأشهر الماضية العديد من الخطوات المهمة في طريقها نحو نظام تعليمي حديث ومواكب للعصر. كما نرحب بإصلاح نظام المساعدات الاجتماعية بما يتماشى مع المعايير الدولية والاحتياجات الفعلية للأسر. وسنواصل دعم السلطة الفلسطينية في مسيرتها نحو تحقيق هذه الإصلاحات الضرورية، ومن الأهمية بمكان ألا يتراجع الزخم الإصلاحي.

كما نرى أن الانتخابات البلدية المقبلة تمثل خطوة مهمة على طريق إقامة دولة فلسطينية مستقبلية، تقوم على مبادئ الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان.


الإغاثة وفق المبادئ الإنسانية

* ألمانيا تؤكد أن المساعدات يجب أن تمر عبر الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية المستقلة، لا عبر مسارات مسيّسة أو عسكرية، فهل يعني ذلك رفضها من حيث المبدأ لأي نموذج يربط الإغاثة بالتحكم الأمني بالسكان أو بإعادة هندسة الواقع السياسي في غزة؟

تُشكّل المبادئ الإنسانية المنصوص عليها في القانون الدولي القاعدة الأساسية التي تستند إليها ألمانيا في تقديمها للمساعدات الإنسانية، ويشمل ذلك مبادئ "الإنسانية" و"الحياد" و"النزاهة". وقد أُضيف إليها في عام 2003 مبدأ "الاستقلالية"، وذلك وفق قرار الأمم المتحدة رقم 58/114. وتُعدّ المساعدة الإنسانية القائمة على هذه المبادئ مساعدة موجّهة نحو تلبية الاحتياجات، وتقدّمها منظمات مستقلة، غالباً ما تكون منظمات غير حكومية، تلتزم باحترام المبادئ الإنسانية. وتقدّم هذه المنظمات المساعدة اللازمة، جزئياً بالتعاون مع منظمات محلية شريكة، مباشرة إلى المتضررين.

وستواصل ألمانيا، في حدود إمكاناتها، دعم المنظمات الدولية والإنسانية التي تلتزم باحترام المبادئ الإنسانية. كما أننا نقدّم، إلى جانب المساعدات الإنسانية، الدعم لجهود الإنعاش المبكر في غزة. فقد كانت ألمانيا أول دولة تدعم، على سبيل المثال، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في توفير مساكن مؤقتة وإصلاح خطوط المياه في غزة. وقد خصصنا حتى الآن أكثر من 220 مليون يورو، إضافة إلى المساعدات الإنسانية التي نقدمها لمشاريع الإنعاش المبكر التي تنفذها الأمم المتحدة، وذلك لا يشمل غزة فقط، بل يمتد إلى الضفة الغربية أيضاً. وهنا نعتبر الأمم المتحدة ركيزة أساسية أثبتت جدارتها في إطار التعاون. ومن هذا المنطلق، نرحب بصندوق الأمم المتحدة الذي أُطلق الأسبوع الماضي، وحمل اسم "صندوق الأفق: فلسطين واحدة، أمم متحدة واحدة، مستقبل واحد".


دعم ثابت لـ "الأونروا" والمنظمات الدولية

* في ظل تصاعد الضغوط الإسرائيلية على "الأونروا" وعلى الوجود الدولي والإنساني عموماً، كيف تنظر ألمانيا إلى مستقبل دعمها للوكالة وإلى عمل المنظمات الإنسانية الدولية والمنظمات الدولية غير الحكومية العاملة مع الفلسطينيين؟

نعتبر أن المنظمات الدولية والإنسانية التي تلتزم باحترام المبادئ الإنسانية عنصر لا غنى عنه في تقديم المساعدات الإنسانية، بما يشمل أيضاً مرحلة الإنعاش المبكر. ومن هذا المنطلق، نعمل جنباً إلى جنب مع الجهات المانحة الأخرى لضمان تمكين المنظمات غير الحكومية الدولية من العمل بحرية في غزة. كما نجري حواراً نقدياً مهماً وعلى مستوى رفيع مع الحكومة الإسرائيلية في هذا الصدد. كذلك نبذل جهداً متواصلاً من أجل إدخال السلع إلى غزة، ولا سيما ما يُعرف بالسلع ذات الاستخدام المزدوج.

وتدرك ألمانيا الأهمية المركزية لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" في توفير الخدمات الأساسية شبه الحكومية والمساعدات الإنسانية لنحو 6 ملايين لاجئ فلسطيني في الأردن وسوريا ولبنان والأراضي الفلسطينية. ومن هنا، كانت ألمانيا في عام 2025 أكبر مانح ثنائي للأونروا. وقد تم توفير ما يصل إلى 108.1 مليون يورو لجميع ساحات عمل "الأونروا" في المنطقة، أي الأردن وسوريا ولبنان وكذلك الأراضي الفلسطينية، كما تم تقديم تبرع ملموس في عام 2026.

ومن الأهمية بمكان أيضاً المضي قدماً في إجراءات إصلاح "الأونروا" عبر تنفيذ التوصيات الخمسين الواردة فيما يُعرف بتقرير كولونا، وإنجازها بوتيرة أسرع. ونحن ندعم مسار الإصلاح هذا من خلال تمويل تدابير ملموسة، من بينها إجراءات تهدف إلى تحسين آليات فحص الموظفين، واتخاذ خطوات أخرى لتعزيز الحياد.

وعندما اقتحمت قوات الأمن الإسرائيلي مجمع "الأونروا" في القدس الشرقية في 8 كانون الأول 2025، وبدأت في هدم المباني في 20 كانون الثاني 2026، لقي هذا الأمر إدانة واضحة من وزيرة التنمية الألمانية ريم العبلي رادوفان، التي وصفت تدمير مقر الأونروا في القدس بأنه أمر مقلق للغاية. وينبغي أن تبقى "الأونروا" قادرة على العمل، لأن دورها لا غنى عنه في توفير الإغاثة للاجئين الفلسطينيين في غزة، وكذلك في المنطقة بأسرها.


رفض الضم والاستيطان

* في الآونة الأخيرة يتسم الخطاب السياسي في برلين بمزيد من الوضوح فيما يتعلق ببناء المستوطنات الإسرائيلية وعنف المستوطنين. وإذا كانت برلين قد توصلت إلى هذا التشخيص، فما الذي يمنعها من اللجوء إلى وسائل ضغط سياسية أو قانونية أكثر فعالية؟

موقفنا واضح للغاية، فنحن ندين سياسة الاستيطان، والعنف الذي يمارسه المستوطنون المصاحب لهذه السياسة، باعتبارهما مخالفين للقانون الدولي، كما أننا نثير هذا الموضوع مراراً وتكراراً، وبصراحة تامة، مع الحكومة الإسرائيلية مباشرة. وقد صرّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس بوضوح تام أن ألمانيا ترفض أي خطوات تهدف إلى ضم أراضٍ تتخذها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية. إن أي ضم، سواء أكان ضماً قانونياً أم ضماً فعلياً، سيشكل خطأً فادحاً، فبناء المستوطنات يعرّض حل الدولتين التفاوضي للخطر، ولا يسهم في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، وهو ما تطالب به محكمة العدل الدولية.

وفيما يتعلق بعنف المستوطنين، يجب أن أقول هنا بوضوح تام إن حجم العنف الذي يمارسه المستوطنون في الضفة الغربية أمر لا يُطاق. وقد شاهد وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول بنفسه آثار عنف المستوطنين خلال زيارته لمدينة الطيبة، وأدان ذلك مراراً وتكراراً. وتدعو الحكومة الألمانية، في هذا السياق، الحكومة الإسرائيلية ليس فقط إلى وقف بناء المستوطنات، بل أيضاً إلى محاسبة المسؤولين عن عنف المستوطنين. يجب على إسرائيل أن تتصرف بحزم في هذا الشأن، ولا يجوز أن يكون هناك إفلات من المحاسبة للمستوطنين الذين يتسببون بهذه الاعتداءات.

أما بشأن موضوع العقوبات، فأود أن أضيف أننا فرضنا بالفعل، على مستوى الاتحاد الأوروبي، عقوبات على المستوطنين المتسببين بالعنف، وكذلك على منظمات استيطانية.


قلق متصاعد بشأن الضفة


* في ظل تكرار العمليات العسكرية الإسرائيلية والتهجير وإعادة تشكيل الواقع الميداني في مدن ومخيمات الضفة الغربية، من جنين إلى طولكرم وغيرها، هل ترى ألمانيا أن ما يجري مجرد تصعيد أمني، أم تحول بنيوي في إدارة الاحتلال على الأرض؟

تنظر الحكومة الألمانية بقلق بالغ إلى تطورات الوضع الأمني في الضفة الغربية. فقد أدت العمليات العسكرية المتكررة التي تشنها القوات الإسرائيلية في المناطق "أ" و"ب" و"ج"، والقيود الشديدة المفروضة على حرية الحركة والتنقل للسكان الفلسطينيين، من خلال نقاط التفتيش والحواجز التي يجري توسيعها باستمرار، إلى خلق وضع لا يمكن تحمله بالنسبة إلى العديد من الفلسطينيين. كما يثير قلقنا، على نحو خاص، العدد الكبير من النازحين داخلياً.

ونحن نعتبر أن قرارات إسرائيل السماح بعمليات الشراء الخاصة للأراضي، وتوسيع نطاق الإجراءات الإدارية الإسرائيلية لتشمل مناطق في الضفة الغربية تقع، بموجب اتفاقيات أوسلو، تحت مسؤولية السلطة الفلسطينية، لا تتوافق مع القانون الدولي، وتشكل عائقاً إضافياً أمام حل الدولتين. فالضفة الغربية جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية المستقبلية. ومن هنا نرفض أي تغييرات دائمة تخلق حقائق واقعة لا يمكن العودة عنها، من شأنها أن تعيق التماسك والتواصل الجغرافي للدولة الفلسطينية المستقبلية، وتقوض حل الدولتين.


القدس وحرية العبادة

* في القدس، ومع تصاعد القيود على الفلسطينيين وإغلاق المسجد الأقصى أو تقييد الوصول إليه في بعض الفترات، هل ترى ألمانيا في هذه السياسات مساساً بالوضعين التاريخي والقانوني القائمَين، وحرية العبادة، والاستقرارَين السياسي والديني في المدينة؟

تولي ألمانيا أهمية كبيرة لحماية الأماكن المقدسة، ومن هنا نراقب عن كثب أي قيود تُفرض على الوصول إلى المواقع الدينية، بما في ذلك المسجد الأقصى وكنيسة القيامة. فخلال الحرب مع إيران، على سبيل المثال، مُنع المصلون المسلمون من دخول الحرم الشريف تماماً، وفي أحد الشعانين اللاتيني مُنع غبطة البطريرك اللاتيني الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا من دخول كنيسة القيامة، كما شهد عيد الفصح الأرثوذكسي قيوداً على الدخول ومواجهات مع قوات الأمن الإسرائيلية داخل كنيسة القيامة وفي محيطها.

وهنا نؤكد أن حرية العبادة حق أساسي يجب ضمانه للمسلمين واليهود والمسيحيين على حد سواء. وفي الوقت ذاته، نرى أن القدس تشكل بيئة حساسة على نحو خاص، إذ يمكن لأي إجراء فيها أن يخلّف آثاراً سياسية واجتماعية كبيرة. لذلك، يجب الحفاظ على الوضع القائم "الستاتيكو" في الأماكن المقدسة في القدس، بما يشمل حرية وصول المؤمنين إلى مواقعهم المقدسة بأمان وكرامة.


برلين ترفض عقوبة الإعدام

* في ضوء إقرار الكنيست قانوناً يفرض عقوبة الإعدام على أسرى فلسطينيين في قضايا محددة، كيف تقيم ألمانيا دلالات هذا التشريع قانونياً وسياسياً، وما الرسالة التي تعتقدين أنه يبعث بها في هذا التوقيت؟

نرى أن عقوبة الإعدام عقوبة لا إنسانية ووحشية في كل مكان وتحت أي ظرف من الظروف. إن التشريع الذي أقره الكنيست الإسرائيلي، والذي من شأنه توسيع نطاق تطبيق عقوبة الإعدام في إسرائيل، يثير قلقنا البالغ، ناهيك عن أن هذا القانون سيؤثر فعلياً على الفلسطينيين حصرياً، وبالتالي سيكون تمييزياً. وندعو إسرائيل إلى إعادة النظر في هذا القرار، وأن تبقي على تعليقها السابق لتطبيق عقوبة الإعدام.

إن رفض عقوبة الإعدام جزء من قيمنا الأساسية. ولذلك، تدافع ألمانيا في جميع أنحاء العالم عن إلغاء عقوبة الإعدام، وستواصل طرح هذا الموقف بوضوح في الحوار مع إسرائيل.


تمسّك بحل الدولتين

* ما دامت ألمانيا تربط الاعتراف بدولة فلسطين بمسار تفاوضي وصل حالياً إلى طريق مسدود فعلياً. كيف ترد برلين على الانتقادات التي تقول إن أي تأجيل آخر للاعتراف لم يعد يُنظر إليه بأنه موقف حيادي، بل بات جزءاً من أزمة غياب الأفق السياسي، ويضع ألمانيا أيضاً في موقع متباين بشكل أكبر مع عدد متزايد من شركائها الأوروبيين؟

تؤكد ألمانيا تمسكها بحل الدولتين الذي يتم التوصل إليه عبر المفاوضات، وترى في هذا الأفق الطريق الأكثر استدامة لتحقيق السلام والأمن لكلا الجانبين. ولا أخفيك أن داخل أوروبا مقاربات مختلفة بشأن مسألة الاعتراف، ونحن على اتصال وثيق مع شركائنا في هذا الصدد. ومع ذلك، فإننا ندرك تماماً أن الناس في فلسطين ينظرون إلى الحالة الراهنة، على نحو متزايد، باعتبارها لا تمنح أي آفاق مستقبلية.

ومن هنا، فمن الأهمية بمكان بالنسبة لنا ألا نكتفي بالوقوف عند نقاش حول اعتراف رمزي فحسب، بل أن نُسهم عملياً في تحسين الوضع في غزة والضفة الغربية، والحفاظ على آفاق تحقيق حل الدولتين. إن التزامنا الكبير في مجالات المساعدة الإنسانية، والإنعاش المبكر، والتعاون الاقتصادي، يتحدث عن نفسه في هذا الصدد، ويأتي هنا أيضاً دعمنا البنّاء لإصلاح السلطة الفلسطينية.


انسحاب ألماني يثير التساؤلات

* أعلنت ألمانيا انسحابها كطرف ثالث من مسار الدفاع عن إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية، كيف يمكن قراءة دلالات هذه الخطوة سياسياً وقانونياً، وهل تعكس مراجعة معينة في المقاربة الألمانية لهذا الملف؟

بالفعل، لن يكون هناك تدخل من جانب ألمانيا كطرف ثالث في هذه الدعوى التي رفعتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر 2023. فنحن أنفسنا طرف في دعوى قضائية أخرى معلقة أمام محكمة العدل الدولية، ومن هنا قررنا عدم اللجوء إلى خيار التدخل كطرف ثالث في الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا. وبدلاً من ذلك، قررنا التركيز على الدعوى التي نحن أنفسنا طرف مباشر فيها.


جدل داخلي وموقف متحوّل

* داخل ألمانيا، تتباين مواقف الأحزاب إزاء فلسطين، من الحرب على غزة والاستيطان إلى حدود دعم إسرائيل وأولوية القانون الدولي وحقوق الإنسان، فإلى أي حد ينعكس هذا الجدل الحزبي والمجتمعي على السياسة الرسمية، وهل قد يغيّر تموضع برلين في المرحلة المقبلة؟

نرى أنه، وبالرغم من اندلاع الحرب الأخيرة مع إيران، لا يزال الاهتمام في ألمانيا كبيراً جداً بغزة وبمصير سكانها في أعقاب الحرب المدمرة التي أسفرت عن عدد هائل من الضحايا المدنيين. فوسائل الإعلام الألمانية المختلفة تنشر تقارير بشكل دوري حول هذا الموضوع، وتجري مناقشات في البوندستاغ والحكومة، كما تشهد الشوارع الألمانية مظاهرات بسبب الوضع في الشرق الأوسط. والجمهور الألماني على دراية جيدة أيضاً بالعنف المتزايد بشكل كبير من قبل المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية.

علاوة على ذلك، تنتقد الحكومة الألمانية، شأنها شأن شركاء أوروبيين آخرين، بناء المستوطنات الإسرائيلية المخالف للقانون الدولي، وتطالب الحكومة الإسرائيلية بوقف الطرد الممنهج للفلسطينيين. وفي الوقت نفسه، وبسبب مسؤوليتنا التاريخية تجاه إسرائيل، وكذلك في ظل تصاعد معاداة السامية في ألمانيا، غالباً ما تُصاغ الانتقادات الموجهة لإسرائيل بحذر في بعض أطراف الحكومة والبرلمان الألماني. ومع ذلك، فإن موقف برلين يتطور باستمرار في هذا الصدد.


رهان على المسار الدبلوماسي

* فيما يتعلق بالحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران وحزب الله من جهة أخرى، كيف تحدد ألمانيا موقعها السياسي، وهل يقتصر موقفها على منع التصعيد، أم يشمل أيضاً مراجعة نقدية لشرعية الحرب وحدودها؟

نرى أخيراً بصيص أمل على الصعيد الدبلوماسي بفضل وقف إطلاق النار بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. فللمرة الأُولى منذ اندلاع الحرب، تبرز فرصة لفتح نافذة زمنية لإيجاد حل قائم على المفاوضات، حتى وإن كان وقف إطلاق النار في المنطقة لا يزال هشاً. ونحن نريد مواصلة دعم فرصة التوصل إلى السلام عبر الطرق الدبلوماسية. ولذلك أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس أننا، بالتنسيق مع الولايات المتحدة والشركاء الأوروبيين، سنستأنف الآن المحادثات مع طهران، من أجل الإسهام بهذه الطريقة في إنجاح المفاوضات المرتقبة.

ونحتاج، قبل كل شيء، إلى تفاهم قابل للاستدامة يضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز مرة أخرى. لذلك أكد المستشار الألماني أن ألمانيا مستعدة للمساهمة في ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز بعد التوصل إلى اتفاق سلام، شريطة توافر تفويض ومفهوم قابلين للتطبيق لهذا الغرض. بالإضافة إلى ذلك، طلب المستشار من إسرائيل، في مكالمة هاتفية أجراها مؤخراً مع رئيس الوزراء نتنياهو، إنهاء الهجمات على لبنان التي تصاعدت في الآونة الأخيرة، لأن الشدة التي خاضت بها إسرائيل الحرب هناك تعرض جهود السلام برمتها للخطر.

القدس المصدر: القدس
شارك

الأكثر تداولا اسرائيل إيران لبنان أمريكا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا