تواجه مناطق النزوح في قطاع غزة أزمة بيئية وصحية متفاقمة مع الانتشار الكثيف للحشرات والقوارض، التي بدأت تهاجم خيام المواطنين بشكل غير مسبوق. وتتزامن هذه الظاهرة مع تراكم آلاف الأطنان من النفايات الصلبة التي يمنع الاحتلال الإسرائيلي نقلها إلى المكبات الرئيسية منذ بدء العدوان، مما حول مراكز الإيواء إلى بؤر للتلوث.
وأفادت مصادر محلية بأن الكثير من المواطنين، ولا سيما الأطفال وكبار السن، تعرضوا لعضات القوارض ولسعات الحشرات الضارة في مناطق النزوح المؤقتة. وأكد النازحون أن خطر هذه الكائنات تزايد بشكل ملحوظ مع انحسار موجات البرد وبداية ارتفاع درجات الحرارة، مما دفع القوارض للخروج من جحورها والبحث عن الطعام داخل الخيام.
في المنطقة الساحلية الممتدة بين دير البلح وخان يونس، يروي النازحون قصصاً مأساوية عن مشاركة القوارض لهم في العيش داخل خيامهم المتهالكة. ويقول أحد النازحين من شمال القطاع إنهم واجهوا سابقاً أزمات الجوع والعطش، لكنهم اليوم يواجهون خطراً جديداً يتمثل في غزو الفئران والجرذان التي لم تعد وسائل الوقاية التقليدية تجدي نفعاً معها.
ويخشى الأهالي من انتشار أمراض فتاكة كـ 'الطاعون' نتيجة الاحتكاك المباشر مع هذه القوارض التي تصل إلى أمتعتهم وطعامهم المحدود. وقد اضطرت العديد من العائلات للتخلص من كميات من الأطعمة الشحيحة بعد التأكد من وصول القوارض إليها، مما يضاعف من معاناة انعدام الأمن الغذائي في المخيمات.
وفي منطقة المواصي غرب خان يونس، تزداد المخاوف مع اقتراب فصل الصيف من خروج الأفاعي السامة من حجورها الرملية بسبب القيظ الشديد. ويشير المواطنون إلى أن العام الماضي شهد تسجيل عدة حالات لظهور أفاعٍ قاتلة بين الخيام، وهو ما يثير رعباً مضاعفاً لدى الأسر التي تعيش في مناطق مفتوحة وغير محمية.
وتحدث نازحون عن اضطرارهم للمداومة في المشافي والعيادات الطبية للحصول على علاجات لأطفالهم الذين تعرضوا لعضات قوارض تسببت لهم بالتهابات حادة. ويؤكد هؤلاء أن منازلهم التي دمرها الاحتلال كانت توفر لهم الحماية والأمان، بينما تفتقر الخيام الحالية لأدنى مقومات التحصين ضد الزواحف والآفات.
من جانبها، أوضحت البلديات والمجالس المحلية أنها تضطر لنقل النفايات إلى مكبات مؤقتة تقع ضمن المناطق التي لا تخضع للسيطرة العسكرية المباشرة. وهذه المناطق لا تتجاوز مساحتها 45% من إجمالي مساحة القطاع، وباتت مكتظة بأكثر من مليوني إنسان، مما يجعل السيطرة على المكبات المؤقتة أمراً شبه مستحيل.
وأدت طول أمد الحرب إلى تشكل تلال مرتفعة من النفايات المجمعة بالقرب من تجمعات النازحين، مما ساهم في تفشي الأمراض الجلدية والأوبئة المعدية. وتعتبر هذه التلال بيئة مثالية لتكاثر الحشرات والقوارض التي تنتقل بسهولة إلى الخيام المجاورة، في ظل انعدام عمليات الرش والمكافحة الدورية.
وفي هذا السياق، صرح الدكتور منير البرش، مدير عام وزارة الصحة، بأن مخيمات النزوح تحولت من مراكز للإيواء إلى بيئات مولدة للأوبئة الفتاكة. وأشار البرش إلى أن الإحصائيات تظهر إصابة نحو نصف النازحين بأمراض جلدية مختلفة، نتيجة غياب الحد الأدنى من مقومات الحياة الإنسانية والنظافة العامة.
بدوره، حذر أحمد الصوفي، رئيس مجلس الخدمات المشترك لإدارة النفايات، من انهيار وشيك لمنظومة إدارة النفايات الصلبة في محافظات الوسط والجنوب. وأكد الصوفي في مؤتمر صحافي أن الأزمة تجاوزت البعد الإنساني لتصبح كارثة بيئية تهدد حياة السكان بشكل مباشر، خاصة مع استمرار منع الوصول للمكبات الحدودية.
وأشار الصوفي إلى أن سلطات الاحتلال تمنع بشكل قطعي إدخال المواد الكيميائية المخصصة لمكافحة الحشرات والقوارض منذ أشهر طويلة. هذا المنع المتعمد أسهم في تكاثر الآفات بأعداد هائلة، مما يستدعي تحركاً دولياً عاجلاً لتمكين البلديات من القيام بمهامها الأساسية في حماية الصحة العامة.
من جهته، أكد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية 'أوتشا' التابع للأمم المتحدة أن القوارض والآفات تنتشر في نحو 80% من مواقع النزوح التي جرى تقييمها. وحذرت المنظمة الدولية من تزايد حالات الإصابة بالأمراض الجلدية، مشددة على الحاجة الماسة لإدخال مستلزمات النظافة والمواد الكيميائية اللازمة للمكافحة.
وفي سياق متصل، أعرب مركز الإنسان للديمقراطية والحقوق عن قلقه البالغ إزاء تردي الأوضاع الصحية والبيئية في القطاع. وأكد المركز أن تراكم الركام والنفايات غير المعالجة يشكل بيئة خصبة لانتشار الجرذان، مما ينذر بكارثة إنسانية قد تخرج عن السيطرة إذا لم يتم التدخل الفوري.
وشدد المركز الحقوقي على أن الحق في بيئة نظيفة وصحة جيدة هو حق أساسي من حقوق الإنسان التي كفلتها المواثيق الدولية. وطالب المجتمع الدولي بالضغط على الاحتلال لرفع الحصار عن المعدات البيئية والسماح بنقل النفايات إلى المكبات المخصصة بعيداً عن تجمعات السكان المكتظة.
المصدر:
القدس