تتصدر مدينة بنت جبيل، الملقبة بـ 'أيقونة الجنوب'، المشهد العسكري الميداني في لبنان حالياً، حيث تشهد أحياؤها مواجهات وُصفت بأنها الأعنف منذ انطلاق العمليات البرية الإسرائيلية. وتأتي هذه الاشتباكات في ظل إقرار مصادر إسرائيلية بصعوبة القتال داخل المدينة التي تمتلك رمزية معنوية وتاريخية هائلة لدى الطرفين.
وأفادت مصادر ميدانية بأن عناصر حزب الله يخوضون قتالاً شرساً من مسافات قريبة داخل أحياء المدينة، مما أدى إلى عرقلة تقدم القوات الإسرائيلية وتكبيدها خسائر بشرية ومادية وُصفت بالفادحة. ويحاول جيش الاحتلال التقدم ببطء شديد في القطاع الأوسط تحت غطاء جوي وناري مكثف يستهدف المباني السكنية والبنى التحتية.
وفي حصيلة رسمية للساعات الأخيرة، أقر جيش الاحتلال بإصابة نحو 14 عسكرياً في معارك بنت جبيل، من بينهم قائد الكتيبة المدرعة الثانية الذي تعرض لإصابة خطيرة استدعت نقله الفوري. كما أعلن الاحتلال عن مقتل جندي إضافي وسقوط عدد من الجرحى خلال محاولات التوغل في محيط المدينة الاستراتيجية.
من جانبها، تزعم الرواية الإسرائيلية أن العمليات العسكرية في المنطقة أسفرت عن مقتل أكثر من 100 من مقاتلي حزب الله وتدمير عشرات المواقع العسكرية. إلا أن الحزب يؤكد استمرار مقاتليه في التصدي للقوات المتوغلة على مسافة لا تتجاوز خمسة كيلومترات من الخط الأزرق الحدودي.
ويولي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أهمية خاصة لهذه المعركة، حيث صرح بأن القتال في لبنان يتركز حالياً في ما وصفها بـ 'عاصمة حزب الله' في الجنوب. وادعى نتنياهو أن الهدف من هذه العمليات هو إبعاد المقاتلين وإقامة حزام أمني يمنع عمليات التسلل ويهدد منصات الصواريخ المضادة للدروع.
وتسعى القيادة العسكرية الإسرائيلية من خلال السيطرة على بنت جبيل إلى تحقيق هدف استراتيجي يتمثل في ربط القطاعين الشرقي والغربي من جنوب لبنان. وتعتبر المدينة نقطة الارتكاز في القطاع الأوسط، والسيطرة عليها تعني خلخلة الدفاعات اللبنانية في القرى والبلدات المجاورة.
وتمتلك بنت جبيل رمزية تاريخية تتجاوز قيمتها العسكرية، إذ ارتبط اسمها بـ 'خطاب التحرير' الشهير الذي ألقي في مايو عام 2000 عقب الانسحاب الإسرائيلي. وفي تلك المناسبة، أطلقت عبارة 'أوهن من بيت العنكبوت' التي تحولت إلى أيقونة في الصراع العربي الإسرائيلي المستمر.
هذا الارتباط الوجداني جعل من المدينة هدفاً معنوياً لجيش الاحتلال الذي يحاول كسر صورتها كـ 'عاصمة للنصر'. وتستحضر المعارك الجارية حالياً ذكريات حرب تموز 2006، حين فشلت القوات الإسرائيلية في إحكام قبضتها على المدينة رغم الهجمات المتكررة.
وتعتبر المدينة من أكثر المناطق الحدودية حساسية نظراً لموقعها الجغرافي الذي يشرف على شبكة واسعة من القرى والبلدات الجنوبية. ويرى محللون عسكريون أن صمود بنت جبيل يمثل حائط صد منيع يمنع الاحتلال من التوغل نحو العمق اللبناني وتوسيع رقعة العمليات البرية.
وتشير التقديرات إلى أن الفشل في السيطرة على المثلث الواصل بين مارون الراس وعيترون وبنت جبيل سيشكل ضربة قاسية للأهداف المعلنة للعملية العسكرية. فالطبيعة الجغرافية للمدينة وتداخل أحيائها يمنحان المدافعين ميزة تكتيكية واضحة في مواجهة الآليات المدرعة.
وفي ظل استمرار القصف الجوي المكثف، تعاني الأحياء السكنية في بنت جبيل من دمار واسع، إلا أن ذلك لم يمنع استمرار العمليات الدفاعية. وتؤكد مصادر لبنانية أن المقاومة تعتمد تكتيكات الكمائن المخططة مسبقاً لاستدراج القوات الإسرائيلية إلى مناطق القتل داخل المدينة.
وتراقب الأوساط السياسية في بيروت وتل أبيب نتائج هذه المعركة بدقة، لما سيكون لها من تداعيات على أي مفاوضات مستقبلية لوقف إطلاق النار. فالسيطرة على الأرض في بنت جبيل تعد ورقة ضغط سياسية كبرى يسعى كل طرف لامتلاكها في المرحلة الراهنة.
إن الإصرار الإسرائيلي على احتلال المدينة يعكس رغبة في محو هزيمة 2006 وتحقيق إنجاز معنوي يرمم صورة الجيش التي اهتزت في المواجهات البرية الأخيرة. ومع ذلك، فإن شراسة المقاومة الميدانية تشير إلى أن الطريق نحو وسط المدينة لا يزال محفوفاً بالمخاطر الكبيرة.
ختاماً، تبقى بنت جبيل بساحاتها وأزقتها شاهداً على جولة جديدة من الصراع الدامي، حيث تتداخل الحسابات العسكرية بالرموز التاريخية. وبينما يستمر الاحتلال في الدفع بمزيد من القوات، تظل 'أيقونة الجنوب' عصية على الانكسار السريع في وجه آلة الحرب الإسرائيلية.
المصدر:
القدس