تواصل آلة الحرب الإسرائيلية عملياتها العسكرية في قطاع غزة بوتيرة متصاعدة، متجاهلة اتفاق وقف إطلاق النار الموقع منذ ستة أشهر. وأفادت مصادر ميدانية بأن القصف الجوي واستهدافات الطائرات المسيرة لم تتوقف، مما أدى إلى سقوط عشرات الشهداء والجرحى بشكل أسبوعي في مختلف مناطق القطاع المحاصر.
وشهد يوم الثلاثاء تصعيداً دموياً أسفر عن استشهاد 10 فلسطينيين، بينهم أطفال، في سلسلة غارات استهدفت منشآت مدنية ومركبات. وتركزت الهجمات في مخيم الشاطئ وحي التفاح، حيث استخدم الاحتلال الصواريخ الموجهة والرصاص الحي لاستهداف المواطنين في الأماكن العامة والأسواق المكتظة.
وفي مجزرة جديدة بمخيم الشاطئ، استهدفت غارة جوية مخازن تجارية تقع بالقرب من مولدات كهربائية، مما أدى إلى استشهاد 5 مواطنين وإصابة 11 آخرين بجروح متفاوتة. وأحدث القصف دماراً كبيراً في المنطقة المحيطة، مما تسبب في انقطاع الخدمات الأساسية وزيادة معاناة النازحين في المخيم.
وفي حي التفاح شمال شرق مدينة غزة، اغتالت طائرة مسيرة إسرائيلية أربعة مواطنين عبر استهداف سيارة تابعة للشرطة المدنية بصاروخ مباشر. وكان من بين الضحايا الطفل يحيى الملاحي، البالغ من العمر ثلاثة أعوام، والذي كان يرتدي ملابس العيد متوجهاً لحضور حفل زفاف أحد أقاربه قبل أن تحوله الشظايا إلى جثة هامدة.
ولم تقتصر الاعتداءات على القصف الجوي، بل امتدت لتشمل القنص المباشر، حيث استشهد الفتى آدم حلاوة (14 عاماً) برصاصة في الرأس بمنطقة جباليا البلد. وأطلقت قوات الاحتلال نيرانها باتجاه خيام النازحين في مناطق تدعي أنها خارج نطاق عملياتها العسكرية، مما يثبت تعمد استهداف المدنيين.
وأعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة عن توثيق أكثر من 2400 خرق لاتفاق وقف إطلاق النار منذ دخوله حيز التنفيذ في أكتوبر 2025. وأوضح البيان أن هذه الخروقات تنوعت بين عمليات القتل المباشر، والاعتقالات التعسفية، وتشديد الحصار المطبق على سكان القطاع.
من جانبه، كشف تقرير صادر عن وزارة الصحة أن عدد الشهداء منذ بدء سريان التهدئة المفترضة وصل إلى 757 شهيداً، بالإضافة إلى إصابة أكثر من ألفي شخص. وتؤكد هذه الأرقام أن الاحتلال يستخدم فترة الهدوء النسبي لتنفيذ عمليات اغتيال انتقائية وتدمير ما تبقى من مقومات الحياة.
وحذرت الحكومة في غزة من تدهور الوضع الإنساني بشكل غير مسبوق نتيجة سياسة الابتزاز التي يمارسها الاحتلال عبر التحكم في المعابر. وأشارت التقارير إلى أن إسرائيل لم تلتزم بالبروتوكول الإنساني، حيث لم تسمح إلا بدخول ثلث الشاحنات المحملة بالمساعدات والوقود المقررة للقطاع.
وفيما يخص معبر رفح، الذي يعد شريان الحياة الوحيد، فإن نسبة الالتزام الإسرائيلي لم تتجاوز 7% من بنود الاتفاق. ومنع الاحتلال آلاف المسافرين والمرضى من التنقل، حيث لم يسمح إلا لـ 2703 أشخاص بالمرور من أصل أكثر من 36 ألفاً كانوا مدرجين ضمن قوائم السفر.
ويواجه القطاع الصحي في غزة حالة من الانهيار شبه الكامل، حيث بلغت نسبة العجز في الأدوية والمستهلكات الطبية نحو 50%. وتتعمد قوات الاحتلال استهداف الطواقم الطبية والمستشفيات، مما حرم آلاف المرضى من تلقي العلاج الضروري وأدى إلى تفشي الأوبئة في مخيمات اللجوء.
منظمات دولية، ومن بينها أطباء بلا حدود، أطلقت نداءات استغاثة عاجلة بشأن نقص المياه النظيفة والغذاء والكهرباء. وأكدت المنظمات أن النظام الصحي يتعرض لعملية خنق ممنهجة بسبب عرقلة وصول المساعدات الطبية، مما يهدد بحياة آلاف الجرحى والمصابين بأمراض مزمنة.
وفي ظل انعدام خدمات الصرف الصحي وتراكم النفايات، انتشرت الأمراض الجلدية والمعوية بشكل واسع بين الأطفال والنازحين. وتسببت الحشرات والقوارض التي تغزو الخيام في أزمة صحية إضافية، وسط عجز المؤسسات الدولية عن تقديم الحلول في ظل استمرار القصف والتهديدات الأمنية.
ويبقى المشهد في غزة معلقاً بين نيران الاحتلال ووعود التهدئة التي لم تترجم على أرض الواقع، بينما تستمر المعاناة الإنسانية في التفاقم. ويطالب الفلسطينيون بضغط دولي حقيقي لإلزام الاحتلال بوقف عدوانه وفتح المعابر بشكل كامل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح المدنيين.
المصدر:
القدس