دخلت تونس منذ إعلان الرئيس قيس سعيد في 25 يوليو/تموز 2021 مجموعة من الإجراءات الاستثنائية، منعطفا حادا غيّر ملامح المشهد السياسي، فالبلاد التي كانت تُعتبر أول تجربة ديمقراطية ناشئة في المنطقة، أصبحت تتجه بحسب منتقدين نحو ما يصفونه بأنه "دكتاتورية جديدة".
ويعد مرور نحو خمس سنوات على هذه الإجراءات لا يزال الانقسام في الأوساط التونسية سيد الموقف، فمعارضو الرئيس يرون أنه يسير بالبلاد نحو الاستبداد وتضييق الحريات، وفي المقابل يرى أنصار سعيد أنه يُعدّ رمزا للسيادة الوطنية واستعادة القرار الوطني.
وفي هذا السياق، برزت مؤشرات على تقلّص هامش الحريات، من ذلك امتلاء السجون بالمعتقلين السياسيين من جميع الأطياف السياسية.
وفي خضم هذا المشهد، توالت خلال الأيام الأخيرة أحكام قضائية في حق معارضي الرئيس، آخرها كانت في حق زعيم حركة النهضة الإسلامية راشد الغنوشي لمدة 20 عاما بتهمة التآمر على أمن الدولة في القضية المعروفة إعلاميا بـ"المسامرة الرمضانية".
كما شملت العقوبة قياديَّين من الحركة، وصدر حكم بالسجن أيضا مدة 20 عاما مع النفاذ العاجل، على 3 قياديين آخرين موجودين خارج البلاد، وهم صهر الغنوشي وزير الخارجية الأسبق رفيق عبد السلام، والمعارضان ماهر زيد وهو برلماني سابق، ومحمد الصامتي وهو مدوِّن.
وتعود قضية "المسامرة الرمضانية" إلى فبراير/شباط 2023، عندما تم إيقاف سياسيين معارضين ومحامين وناشطي مجتمع مدني ورجال أعمال، بتهم "محاولة المساس بالنظام العام وتقويض أمن الدولة"، و"التخابر مع جهات أجنبية"، و"التحريض على الفوضى أو العصيان".
وفي ردّ على هذه الأحكام، أصدرت هيئة الدفاع عن رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، بيانا أكدت فيه أن الحكم يحمل "صبغة سياسية" واضحة تستهدف حرية الرأي والعمل السياسي.
وأكدت الهيئة أن الغنوشي قاطع كافة أطوار هذه المحاكمة منذ إيقافه في أبريل/نيسان 2023 مشيرة إلى وقوع "خروقات قانونية جسيمة" شملت منعه من حضور محاميه خلال الساعات الـ48 الأولى، وتوظيف قانون مكافحة الإرهاب في قضية غير إرهابية.
ودافعت الهيئة عن التصريحات التي أدلى بها الغنوشي خلال الفعالية المذكورة، مؤكدة أنها لم تكن سوى دعوة صريحة للتعايش المشترك ونبذ الفرقة والتمسك بمبدأ "تونس لكل التونسيين"، بعيدا عن أي إقصاء، مما يجعل ملاحقته قضائيا استهدافا لحق التعبير المكفول قانونا.
وإعلاميا تُسمى هذه القضية قضية "المسامرة"، لأن الغنوشي وآخرين أدلوا بالتصريحات المنسوبة إليهم خلال مسامرة رمضانية نظمتها جبهة الخلاص الوطني المعارضة عام 2023، تضامنا مع المعتقلين السياسيين.
وليس هذا هو الحكم الوحيد الذي يواجهه الغنوشي (84 عاما)، فقد سبق أن حوكم بتهم من بينها "التآمر على أمن الدولة" و"تبييض الأموال".
وبحسب عدد من المواقع الإخبارية فإن عدد الأحكام التي يواجهها الغنوشي تتجاوز 70 عاما.
وتُضاف هذه الأحكام الثقيلة إلى سلسلة من محطات السجن والنفي في مسيرة الغنوشي التي واجهها طوال عقود منذ عهد الرئيس الحبيب بورقيبة ثم في فترة حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.
ولم تقتصر أوامر القضاء التونسي خلال هذه الأيام على حركة النهضة، فقد أمر قاض تونسي أمس الثلاثاء بإيداع شوقي الطبيب، الرئيس السابق لهيئة مكافحة الفساد ورئيس عمادة المحامين الأسبق، السجن على ذمة التحقيق.
وفي تعليقه على ذلك قال رئيس عمادة المحامين التونسيين بوبكر بن ثابت إن إصدار قرار إيداع الطبيب السجن يحتوي على خرق للإجراءات وشكل آخر من التنكيل به.
ويأتي قرار سجن الطبيب بعد يوم من صدور أحكام على شخصيات أخرى في قضايا منفصلة، من بينها الحكم بالسجن خمس سنوات على مالك قناة الحوار التونسي سامي الفهري في قضايا مالية، والحكم بالسجن 18 شهرا على المحامية والمعلقة الإعلامية سنية الدهماني بسبب تصريحات إعلامية.
ويوم الاثنين نددت نقابة الصحفيين التونسيين بما اعتبرته "تنكيلا وتدويرا قضائيا" يستهدف الصحفيين في ظل تواتر للأحكام السجنية المرتبطة بمرسوم رئاسي، تقول النقابة إنه يحد من حرية التعبير.
وجاء تنديد النقابة ردا على صدور حكم يقضي بتخفيض عقوبة سجنية للدهماني من عامين إلى 18 شهرا، بتهمة نشر أخبار غير صحيحة تتعلق بتصريحات لها حول ممارسات عنصرية ضد المهاجرين.
وقالت النقابة "إن هذا الحكم يكرس انحرافا في التعاطي القضائي مع قضايا حرية التعبير". وأعلنت إدانتها "للسياسة الممنهجة التي تهدف إلى تجريم التعبير، عبر توظيف المرسوم 54 كأداة لتقييد حرية الصحافة وتكميم الأفواه".
ويجري تحريك هذا النوع من الدعاوى عبر المرسوم الذي أصدره الرئيس قيس سعيد في 2022 لتنظيم الجرائم المرتبطة بأنظمة الاتصال والمعلومات، وكان سببا في إيقاف صحفيين ونشطاء ومحامين.
والشهر الماضي، قضت محكمة أخرى بالسجن عامين على الصحفي غسان بن خليفة، وهي خطوة وصفتها نقابة الصحفيين بأنها جزء من "هجوم ممنهج" على حرية التعبير.
يأتي ذلك بينما طالب محامو الإعلاميَّين التونسيين البارزين مراد الزغيدي وبرهان بسيس، الموقوفين منذ عام 2024، بالإفراج عنهما مع انطلاق محاكمتهما استئنافيا أمس الثلاثاء بتهم "تبييض أموال" و"تهرّب ضريبي"، إلا أن الطلب قوبل بالرفض.
وقال غازي مرابط، محامي الزغيدي، للقاضي "إنها محاكمة سياسية. إنه لا يُشكّل أي خطر على المجتمع".
وطالبت نحو 20 منظمة حقوقية في بيان مشترك اليوم "بالكف عن الاستعمال السياسي للقوانين والمراسيم الضاربة للحقوق والحريات الأساسية، التي تم بموجبها افتعال مئات القضايا والملفات".
وقد أعرب خبراء تابعون للأمم المتحدة عن مخاوف بشأن مسار بعض المحاكمات في تونس، معتبرين أنها قد تثير تساؤلات حول معايير المحاكمة العادلة.
كما تحدثت منظمات مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية عن تراجع في الحريات واستعمال القضاء ضد منتقدين.
في المقابل، تقول السلطات التونسية إن صدور الأحكام في هذه القضايا يتعلق بتطبيق القانون وليس استهدافا سياسيا.
وبعد مرور أكثر من 15 سنة على اندلاع الثورة ضد نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010، تعيش تونس اليوم تجربة متقلبة، يرى مراقبون أنها تمثل عودة إلى الوراء، مع تزايد الانتقادات بشأن هيمنة السلطة على القضاء وتراجع الحريات.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة