آخر الأخبار

الكلاب الضالة: نحو حلول شاملة بدل المعالجات المؤقتة

شارك

خالد اشتية: البلديات تتحمل مسؤولية التعامل مع هذه الظاهرة لكنها تواجه تحديات مالية كبيرة تحدّ من قدرتها والحل يستلزم شراكة مجتمعية فاعلة
د. كامل أبو عامرية: مواجهة ظاهرة الكلاب الضالة تتطلب برنامجاً وطنياً موحداً يغطي جميع المحافظات مدعوماً بميزانية واضحة وإرادة حكومية حقيقية
الشيخ إبراهيم عوض الله: الرحمة بالحيوان هي الأصل والإسلام أجاز التخلص من الكلاب العقورة المؤذية فقط بطريقة منظمة وبأقل الوسائل ضرراً
د. ماجد صقر: يجب التمييز بين المسالم والمؤذي من الكلاب والتعامل معها بوسائل منظمة وحال تعذر الحلول لضعف الإمكانات يمكن اللجوء لطرق أخرى
سناء قصراوي: الحملات العشوائية للتخلص من الكلاب خطرة لإخلالها بالتوازن البيئي ويوجد تضخيم لبعض الحوادث الفردية عبر وسائل التواصل الاجتماعي
عماد الأطرش: الحل بإصدار الحكومة قانون الرفق بالحيوان وهو أمر يؤسس لنهج متكامل يجمع بين البعدين الإنساني والوقائي في التعامل مع الكلاب الضالة
محمد حمد: معظم هذه الكلاب "مستأنسة" ولا تشكل خطراً وحالات الهجوم على المواطنين غالباً ما ترتبط بشعورها بالخوف والدفاع عن النفس


رام الله - خاص بـ"القدس"-


يتزايد الجدل حول انتشار الكلاب الضالة في الضفة الغربية، في ظل تباين التقديرات بين تضخيم تداول الحوادث عبر وسائل التواصل، ووجود مخاطر فعلية تثير قلق المواطنين، وبين هذا وذاك، تتكشف الحاجة إلى مقاربة واضحة تحدد الأولويات وتضع حلولاً عملية قادرة على احتواء الظاهرة دون الاكتفاء بردود فعل مؤقتة، وبما يتضمن الرفق بالحيوان وتعزيز الأمان للمواطنين.
المطلوب، وفق تقديرات مسؤولين ومختصين، في أحاديث مع "ے"، هو الانتقال من المعالجات الجزئية إلى برنامج وطني موحد، يستند إلى تنسيق فعّال بين الجهات الرسمية، ويعالج جذور المشكلة، وتبني إجراءات متكاملة، بما يضمن حماية الصحة العامة، ويحقق توازناً مستداماً بين الإنسان والبيئة.
ويوضح فقهاء ودعاة، في أحاديث مع "ے"، أن الحكم الشرعي يؤكد أن الأصل في التعامل مع الحيوان هو الرحمة والإحسان، وأن الإساءة إليه محرمة، لكن يجوز التخلص من الكلاب العقورة المؤذية فقط عند تحقق الضرر، وبضوابط دقيقة وبأقل الوسائل ضرراً، واتباع الجهات المختصة وتنظيم الإجراءات بما يحقق المصلحة العامة.


ظاهرة قديمة

يؤكد الوكيل المساعد لشؤون الهيئات المحلية في وزارة الحكم المحلي خالد اشتية أن ظاهرة الكلاب الضالة في الضفة الغربية ليست جديدة، لكنها تتعرض لتضخيم ملحوظ نتيجة تداولها الواسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يعاد نشر أي حادثة أو مقطع يظهر وجود كلاب في الشوارع أو اقترابها من المواطنين، ما يعطي انطباعاً بزيادة غير مسبوقة في حجم الظاهرة.
ويوضح اشتية أن وجود الكلاب الضالة هو أمر شائع في مختلف دول العالم، مستشهداً بتجربة تركيا التي تعتمد على جمع الكلاب وتعقيمها وخصيها ثم إعادتها إلى الشوارع ضمن نظام مراقب، إلى جانب توفير ملاجئ مخصصة لها.
ويشير اشتية إلى أن الواقع الفلسطيني يختلف بفعل الظروف السياسية، حيث يعيق الاحتلال إجراءات السيطرة على الكلاب، سواء من خلال صعوبة جمعها أو لجوء بعضها إلى مناطق قريبة من المستوطنات، ما يزيد تعقيد المشهد.

اقتناء الكلاب بطريقة منظمة

ويبيّن اشتية أن جزءاً من المشكلة يعود إلى سلوك بعض المواطنين، خاصة من يقتنون الكلاب دون ترخيصها أو تعقيمها، ثم يتخلون عنها في الشوارع، لتتحول إلى كلاب ضالة تبحث عن الغذاء.
ويؤكد اشتية أن غياب ثقافة فرز النفايات وتكدس بقايا الطعام في الحاويات يشجع هذه الكلاب على التواجد والتكاثر في المناطق السكنية.

الهيئات المحلية وقلة الإمكانات

ويوضح اشتية أن الفقرة 24 من المادة 15 من قانون الهيئات المحلية رقم 1 لعام 97 منح الصلاحية للبلدية بمراقبة الكلاب الضالة والتخلص من العقور منها.
ويؤكد اشتية أن البلديات تتحمل مسؤولية التعامل مع هذه الظاهرة، لكنها تواجه تحديات مالية كبيرة تحدّ من قدرتها على إنشاء ملاجئ أو تنفيذ برامج فعالة، مشدداً على أن الحل لا يمكن أن يكون مقتصراً على الجهات الرسمية، بل يتطلب شراكة مجتمعية فاعلة تشمل المواطنين والجهات المختصة.
ويؤكد اشتية رفض أساليب قتل الكلاب، سواء بإطلاق النار أو استخدام السموم، معتبراً أنها غير مجدية وخطرة وقد تؤدي إلى أضرار جانبية، خاصة على الحيوانات الأليفة أو الأطفال، فضلاً عن كونها غير إنسانية، داعياً بدلاً من ذلك إلى تبني برامج التعقيم والخصي كحل مستدام للحد من التكاثر.

تفعيل لجان السلامة

ويؤكد اشتية على ضرورة تفعيل لجان السلامة العامة في المحافظات لإجراء إحصاءات دقيقة حول أعداد الكلاب وطبيعتها وسلوكها، بما يتيح وضع خطط شاملة على مستوى المحافظة، وليس كل بلدية على حدة، بما يشمل إنشاء ملاجئ بإشراف بيطري متخصص.
ويشدد اشتية على أن القوانين الناظمة لاقتناء الكلاب والتعامل معها موجودة، سواء ضمن قانون الحكم المحلي أو القوانين السارية، لكن المطلوب هو توفير الموارد وتعزيز التعاون مع جمعيات الرفق بالحيوان، من أجل إدارة الظاهرة بشكل حضاري يحد من انتشارها دون اللجوء إلى قتلها.

الكلاب جزء من التنوع الحيوي ولكن

يحذّر مدير دائرة الصحة العامة البيطرية في وزارة الزراعة د. كامل أبو عامرية، من تفاقم ظاهرة الكلاب الضالة، مشيراً إلى خطورتها وتهديدها الإنسان والحيوان على حد سواء، في ظل تسجيل إصابات متزايدة بمرض داء الكلب وحالات عقر متكررة.
ويوضح أبو عامرية أن الكلاب تشكل جزءاً من التنوع الحيوي الطبيعي، إلا أن الخلل يكمن في الزيادة الكبيرة بأعدادها وخروجها من نطاقها التقليدي في المناطق الريفية إلى داخل المدن والتجمعات السكنية، مرجعاً ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها غياب برامج وطنية فعالة، وتأثير الجدار الفاصل الذي أدى إلى تدفق الكلاب من مناطق مختلفة، بما فيها عبر الحدود، وحصرها بأماكن محددة ما ساهم في تكاثرها وانتشارها.

محاولات سابقة جزئية

ويشير أبو عامرية إلى أن محاولات المعالجة السابقة لهذه الظاهرة بقيت جزئية وغير كافية، نتيجة غياب خطة وطنية شاملة ومستدامة، حيث تقوم بعض البلديات أو المحافظات بإجراءات محدودة دون تنسيق شامل، ما يجعل الجهود غير مجدية على المدى البعيد.
ويشدد أبو عامرية على أن مواجهة ظاهرة الكلاب الضالة تتطلب برنامجاً وطنياً موحداً يغطي جميع المحافظات، مدعوماً بميزانية واضحة وإرادة حكومية حقيقية.

إصابات بداء الكلب

ويبيّن أبو عامرية أن خطورة الكلاب الضالة لا تقتصر على إثارة الخوف لدى المواطنين، خاصة الأطفال والنساء وكبار السن، بل تتعداها إلى نقل أمراض خطيرة، في مقدمتها داء الكلب، إضافة إلى أمراض طفيلية تنتقل عبر البراز الذي يلوث البيئة.
ويؤكد تسجيل نحو 15 حالة إيجابية لداء الكلب في الكلاب خلال العام المنصرم، و5 إصابات أخرى منذ مطلع العام الحالي، ما يعكس تزايداً مقلقاً في الوضع الوبائي، بعد سنوات لم تُسجل فيها أي إصابات.
ويلفت أبو عامرية إلى أن حالات العقر باتت متكررة، مشيراً إلى وقوع حالة وفاة بين المواطنين نتيجة التأخر في تلقي العلاج أو عدم الإبلاغ الصحيح عن سبب الإصابة.

المسؤولية القانونية

ويؤكد أبو عامرية أن القانون يُحمّل وزارة الحكم المحلي المسؤولية الأساسية في مكافحة الكلاب الضالة، إلا أن حجم المشكلة يتجاوز قدرات جهة واحدة، ما يستدعي تعاوناً بين وزارات الحكم المحلي والصحة والزراعة والداخلية، وبمشاركة المجتمع المدني وجمعيات الرفق بالحيوان، ضمن إطار منسق ومتكامل.
ويشير أبو عامرية إلى أن مجلس الوزراء أوعز إلى الوزارات المعنية على وضع خطة وبرنامج شامل مشترك لمكافحة هذه الظاهرة.

حلول مطروحة

ويوضح أبو عامرية أن الحلول المطروحة تشمل إنشاء مآوٍ للكلاب، وتعقيمها لمنع التكاثر، وتطعيمها ضد الأمراض، وهي إجراءات تتطلب إمكانيات كبيرة من كوادر بيطرية مدربة، ومرافق وتجهيزات وعيادات متنقلة، مشيراً إلى أن بعض الدول، بما فيها إسرائيل، لجأت إلى الجمع بين القتل الرحيم والتعقيم والإيواء، لتقليل الأعداد تدريجياً.
ويشدد أبو عامرية على أن استخدام السموم طُرح كوسيلة للحد من الأعداد، لكنه يؤكد أن الخيار الأفضل، في حال توفر الإمكانيات، هو اتباع أساليب إنسانية، مثل التخدير بجرعات قاتلة دون ألم.

أمور ضرورية

ويشير أبو عامرية إلى أهمية التوعية المجتمعية، داعياً المواطنين إلى توخي الحذر من الكلاب الضالة، والتوجه فوراً إلى المراكز الصحية عند التعرض لأي عقر، مع غسل الجرح جيداً بالماء والصابون.
وفي سياق الوقاية، يؤكد أبو عامرية توفر لقاحات داء الكلب في الصيدليات البيطرية، داعياً أصحاب الحيوانات الأليفة إلى تطعيمها سنوياً، مشيراً إلى أن تكلفة اللقاح متدنية نسبياً، وأن السيطرة على الحيوانات المملوكة تشكل خطوة مهمة في الحد من انتشار المرض.
ويشدد أبو عامرية على أن استمرار الوضع الحالي دون تدخل جاد سيؤدي إلى تفاقم الأزمة، داعياً الحكومة إلى تحويل الخطط إلى إجراءات عملية مدعومة بميزانيات، مع إمكانية الاستفادة من دعم الجهات المانحة والمنظمات الدولية، لضمان تنفيذ برنامج وطني مستدام يحمي الصحة العامة ويحد من المخاطر المتزايدة.


تعامل الإنسان مع الحيوان بالرحمة والإحسان

يؤكد نائب المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية ومفتي محافظة رام الله والبيرة الشيخ إبراهيم عوض الله أن الأصل في تعامل الإنسان مع الحيوان يقوم على الرحمة والإحسان، مشدداً على أن الشريعة الإسلامية ربطت الإحسان إلى الحيوان بالأجر العظيم، الذي قد يبلغ بصاحبه الفوز بالجنة، استناداً إلى الأحاديث النبوية الصحيحة.
ويستشهد عوض الله بحديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي يروي قصة الرجل الذي اشتد به العطش، وبعد أن شرب وجد كلباً يلهث من شدة العطش، فقال: "لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي، فملأ خفه ماءً وسقى الكلب، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ"، ولما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: "وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ قال: "فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ" (صحيح البخاري).
ويشير عوض الله إلى أن الإسلام أمر بالإحسان حتى عند ذبح الحيوان المباح أكله، بما يضمن تقليل الألم والمعاناة.
وفي المقابل، يحذر عوض الله من عواقب الإساءة إلى الحيوان، مستشهداً بقصة المرأة التي حبست هرة فلم تطعمها ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت، فكان جزاؤها النار، ما يعكس خطورة التعدي على حقوق الحيوان في الشريعة الإسلامية.

التخلص من الكلاب العقورة

وفيما يتعلق بظاهرة الكلاب الضالة، يوضح عوض الله أنها قد تتحول إلى مصدر أذى حقيقي، خاصة عندما تسرح دون ضوابط، فتثير الخوف لدى الأطفال والضعفاء، وقد تنقل الأمراض عبر العض، إضافة إلى ما تخلّفه من أذى ونجاسات في محيط مساكن المواطنين.
ويؤكد أنه في مثل هذه الحالات، أجاز الإسلام التخلص من الكلاب العقورة المؤذية، أي الجارحة المفترسة، ولكن ضمن ضوابط دقيقة وبأقل الوسائل ضرراً.
ويبيّن عوض الله أن هذا الحكم لا يُطلق على جميع الكلاب، بل يقتصر على الحالات التي يتحقق فيها الأذى، مستشهداً بما رُوي عن ابن قدامة المقدسي: "كل ما آذى الناس وضرهم في أنفسهم وأموالهم يباح قتله، لأنه يؤذي بلا نفع، فأشبه الذئب، وما لا مضرة فيه لا يباح قتله".

تنظيم عملية التعامل مع الكلاب الضالة

ويشدد عوض الله على ضرورة تنظيم عملية التعامل مع الكلاب الضالة، محذراً من ترك الأمر لاجتهادات الأفراد، لما قد يترتب على ذلك من أضرار، سواء بحق الحيوانات الأليفة غير المؤذية أو الحيوانات المملوكة، أو حتى بحق البشر نتيجة استخدام وسائل عشوائية.
ويؤكد عوض الله ضرورة إسناد هذه المهمة إلى المجالس المحلية والبلديات، بالتنسيق مع الجهات المختصة كوزارة الصحة والزراعة والبلديات وسلطة جودة البيئة وجمعيات رعاية الحيوان، لضمان معالجة الظاهرة بشكل منظم يحقق التوازن بين حماية الإنسان وصون حقوق الحيوان.

مخاوف من تصاعد ظاهرة الكلاب الضالة

يحذّر مدير دائرة إعداد الدعاة في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، فضيلة د. ماجد صقر، من تصاعد ظاهرة الكلاب الضالة في مختلف مناطق الضفة الغربية، مؤكداً أنها باتت ظاهرة مقلقة تستدعي تدخلاً عاجلاً من الجهات المختصة، في ظل تزايد أعدادها وانتشارها في الأماكن العامة وحتى الأسواق خلال ساعات النهار، وهو ما لم يكن مألوفاً في السابق.
ويوضح صقر أن خطورة الظاهرة تتضاعف مع عودة المدارس وتغير التوقيت إلى الصيفي، حيث يخرج الطلبة في ساعات مبكرة، ما يزيد احتمالية تعرضهم لهجمات الكلاب، مشيراً إلى أن المشكلة لم تعد فردية بل أصبحت جماعية، إذ باتت الكلاب تتحرك ضمن مجموعات، الأمر الذي يزيد من خطورتها، خاصة إذا كان أحدها عدوانياً، ما يجعل المجموعة بأكملها تشكل تهديداً مباشراً للمواطنين.
ويلفت صقر إلى تسجيل حوادث مقلقة، من بينها تعرض أطفال لهجمات كادت أن تؤدي إلى كوارث، مؤكداً أن انتشار هذه الظاهرة لم يعد محصوراً بمدينة دون أخرى، بل يشمل مختلف المحافظات، في ظل عجز البلديات أحياناً عن التدخل بسبب إشكالات مرتبطة بقوانين حقوق الحيوان وربما الإمكان المادية.

ضرورة تصنيف الكلاب الضالة

وفي سياق توضيح الحكم الشرعي، يبيّن صقر أن الإسلام فرّق بين أنواع الكلاب، مستشهداً بحديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي أجاز قتل "الكلب العقور"، إلى جانب حيوانات مؤذية أخرى كالعقرب والأفعى.
ويوضح صقر أن الكلب العقور هو الذي يؤذي الإنسان ويهاجمه أو ينقل الأمراض، مؤكداً أن هذا النوع فقط هو الذي يجوز قتله، وليس جميع الكلاب.
ويشدد صقر على ضرورة تصنيف الكلاب الضالة، والتمييز بين المسالم منها والمؤذي، مبيناً أن الأصل هو التعامل مع الظاهرة بوسائل منظمة، مثل توفير مآوٍ مناسبة، أو احتجاز الكلاب وإطعامها، أو إخضاعها لإجراءات بيطرية، بما في ذلك التعقيم لمنع التكاثر. ويشير صقر إلى أنه في حال تعذر هذه الحلول بسبب ضعف الإمكانيات، يمكن اللجوء إلى القتل الرحيم للكلاب المؤذية، كخيار أخير، شريطة أن يتم ذلك بطريقة لا تسبب الألم، مثل استخدام الحقن البيطرية.

الإسلام لا يبيح القتل عبثاً

ويؤكد صقر أن الإسلام لا يبيح القتل عبثاً، مستشهداً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من قتل عصفوراً عبثاً عجّ إلى الله يوم القيامة فقال: يا رب هذا قتلني عبثاً"، ما يدل على أن القتل يجب أن يكون لضرورة ومنفعة، وليس لمجرد الإيذاء.
ويوضح صقر أن أي اعتداء على الحيوانات دون سبب مشروع يُعد إثماً، وأن الرحمة بالحيوان أصل في الشريعة الإسلامية.
ويشير صقر إلى أن اللجوء لقتل الكلاب الضالة يجب أن يكون مشروطاً بعدة عوامل، أبرزها تحقق الأذى المباشر أو نقل الأمراض، وفشل الجهات المسؤولة في احتواء الظاهرة، ووصولها إلى مرحلة تهدد حياة الناس، خاصة الأطفال، مؤكداً أن "آخر الداء الكي"، أي أن القتل هو الحل الأخير بعد استنفاد كافة الوسائل الأخرى.
ويشدد صقر على أن الظروف الاقتصادية الصعبة تعيق إنشاء مراكز إيواء متكاملة، ما يجعل الحلول المثالية صعبة التطبيق حالياً، داعياً في الوقت ذاته إلى الاستفادة من تجارب دول أخرى، مثل حجز الكلاب وتعقيمها وإطلاق غير المؤذي منها في بيئات آمنة، مع التخلص من الحالات الخطرة.
ويؤكد صقر أن المطلوب هو تحقيق التوازن بين حماية الإنسان والرفق بالحيوان، مشدداً على أن المسؤولية تقع أولاً على عاتق الجهات الرسمية لضبط الظاهرة، ومنع تفاقمها، بما يحفظ أمن المجتمع ويصون القيم الإنسانية والدينية.

"كلاب حرة" وليست ضالة

تؤكد رئيسة الهيئة الإدارية في الجمعية الفلسطينية لرعاية الحيوان الأليف (رفقاً بهم) سناء قصراوي أن وجود الكلاب في الشوارع الفلسطينية لا يمكن تصنيفه كـ"ظاهرة" بالمعنى المتعارف عليه، بل هو جزء طبيعي من البيئة والتنوع الحيوي، مشددة على ضرورة إعادة توصيفها كـ"كلاب حرة" تعيش ضمن النظام البيئي، وليس كحيوانات ضالة أو دخيلة.
وتوضح أن الكلاب بطبيعتها كائنات أليفة تعيش ضمن مجموعات، وأن وجودها بشكل جماعي لا يعني خطراً، بل على العكس يدل غالباً على سلوك مستقر وآمن، إذ إن الكلاب التي تعاني من أمراض أو سلوك عدواني تميل إلى العزلة.
وتشير قصراوي إلى أن كثيراً من التفسيرات الشائعة لسلوك الكلاب، مثل الركض خلف الأشخاص، تُفهم بشكل خاطئ، إذ يكون الدافع في الغالب الخوف أو رد الفعل على الأصوات المرتفعة، نظراً لقدرتها السمعية العالية مقارنة بالبشر.
وتلفت قصراوي إلى أن الخوف المجتمعي من الكلاب يرتبط بضعف الوعي بطبيعتها وطرق التعامل معها، كما أن وجودها في المدن والبلدات لا يقتصر على التعايش فحسب، بل يسهم أحياناً في توفير نوع من الحماية للمناطق، خاصة عندما تكون هذه الكلاب معتادة على السكان ويتم إطعامها.

خطورة الحملات العشوائية للتخلص من الكلاب

وتحذر قصراوي من خطورة الحملات العشوائية للتخلص من الكلاب، خاصة عبر التسميم، مؤكدة أن ذلك يخلّ بالتوازن البيئي.
وتستشهد بحوادث سابقة في منطقة رام الله، حيث أدى القضاء على الكلاب إلى اقتراب حيوانات برية، مثل الخنازير، من المناطق السكنية، ما يعكس دور الكلاب في ضبط المنظومة البيئية.
وتنتقد قصراوي تضخيم بعض الحوادث الفردية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مقابل تجاهل الصور اليومية التي تظهر التعايش السلمي بين الإنسان والكلاب، معتبرة أن هذا التركيز الانتقائي يعزز الصورة السلبية ويزيد من حالة الخوف غير المبرر.

إسناد الأمر لجهات الاختصاص

وفيما يتعلق بالحلول، تشدد قصراوي على أن التعامل مع الحالات الخطرة، مثل الكلاب المسعورة، يجب أن يكون من اختصاص دائرة الطب البيطري في مديريات وزارة الزراعة، وليس الأفراد، وذلك بالتنسيق مع المجالس والهيئات المحلية، ضمن خطة ممنهجة.
وتوضح قصراوي أن الإجراءات المهنية تشمل الفحص والتشخيص، ثم العلاج إن أمكن، أو اللجوء إلى القتل الرحيم وفق ضوابط محددة في الحالات المستعصية فقط.
وتشيد قصراوي بجهود بلدية رام الله في إنشاء مركز لتعقيم وتطعيم الكلاب، ما ساهم في تقليل السلوك العدواني لديها، إلا أنها تؤكد أن هذه الجهود لا تزال تواجه تحديات، أبرزها استمرار الاعتداءات على الكلاب، خاصة المروّضة منها.

خطورة التسميم

وتؤكد قصراوي أن التسميم لا يقتل الكلاب فقط، بل يمتد أثره إلى قطط وطيور وكائنات أخرى، ما يؤدي إلى خسائر بيئية أكبر، داعية إلى تبني نهج إنساني وعلمي في إدارة هذا الملف، قائم على التوعية، وتعزيز دور الجهات المختصة، والحفاظ على التوازن البيئي.
وتشدد قصراوي على أن مسؤولية التوعية والتعامل مع الكلاب تقع أولاً على جهات الاختصاص، مع وجود دور أساسي للمواطنين، باعتبار أن الكلب حيوان لا يملك الإرادة الكاملة أو الوعي والقدرة العقلية التي يمتلكها الإنسان، كما أن هناك ضرورة لتعزيز الوعي بطرق التعامل مع الكلاب عبر المدارس والمؤسسات والمجتمع بشكل عام.

سوء إدارة النفايات

يعتبر المدير التنفيذي لجمعية الحياة البرية عماد الأطرش أن انتشار الكلاب الضالة في الأراضي الفلسطينية بات "ظاهرة مقلقة للغاية" في الآونة الأخيرة، مشيراً إلى أن تفاقمها يعود إلى مجموعة من الأسباب المتداخلة، في مقدمتها التكاثر المستمر وغير المنضبط لهذه الحيوانات على مدار العام.
ويوضح الأطرش أن أحد أبرز العوامل التي تسهم في زيادة أعداد الكلاب الضالة يتمثل في سوء إدارة النفايات، خاصة مخلفات الملاحم التي تُلقى في حاويات مكشوفة، ما يوفر مصدراً دائماً للغذاء يجذب الكلاب والحيوانات الأخرى، ويؤدي إلى انتشارها داخل الأحياء السكنية.
ويشير الأطرش إلى عامل ثالث يتمثل في إجراءات الاحتلال الإسرائيلي عبر جدار الفصل العنصري أدى إلى انحصار الكلاب في مناطق محددة وزيادة كثافتها فيها، الأمر الذي ضاعف من حجم الظاهرة.

غياب قانون ينظم الرفق بالحيوان

وفي سياق المسؤوليات الرسمية، ينتقد الأطرش غياب قانون ينظم الرفق بالحيوان، معتبراً أن عدم وجود تشريع واضح يحرم الجهات المختصة من أدوات فعالة للتعامل مع الظاهرة، مثل إنشاء مراكز إيواء (Shelters) للحيوانات الضالة، بما يضمن حماية الحيوان وأمان الإنسان في آن واحد.
ويشدد الأطرش على أن تبني هذا القانون من قبل الحكومة الفلسطينية من شأنه أن يؤسس لنهج متكامل يجمع بين البعد الإنساني والوقائي في التعامل مع الحيوانات وخاصة الكلاب الضالة.

الكلاب الضالة ليست بالضرورة خطراً مباشراً

ويبيّن الأطرش أن الكلاب الضالة ليست بالضرورة خطراً مباشراً على الإنسان، إلا أن تأثيرها السلبي يظهر في ظروف معينة، مثل نقص الغذاء أو إصابتها بالأمراض كالجرب، في ظل غياب الرعاية البيطرية، ما قد يدفعها إلى سلوكيات مؤذية أحياناً، خاصة تجاه الأطفال الذين يفتقرون للوعي بكيفية التعامل مع الحيوانات.
ويؤكد الأطرش أن ضعف الثقافة المجتمعية تجاه الحيوان يشكل جزءاً من المشكلة، مستشهداً بتجارب ميدانية أظهرت سلوكيات عدوانية من بعض الأطفال تجاه الحيوانات نتيجة غياب التوعية، ما يعكس الحاجة إلى إدماج مفاهيم الرفق بالحيوان في المناهج التعليمية وتعزيز التربية البيئية منذ الصغر.
ويدعو الأطرش إلى حزمة حلول متكاملة، تبدأ بإقرار قانون للرفق بالحيوان، مروراً بتنفيذ برامج تعقيم للحد من التكاثر، وإنشاء مراكز إيواء، وصولاً إلى إطلاق حملات توعية ومناصرة.

خطورة اللجوء إلى حلول عشوائية

ويشير الأطرش إلى خطورة اللجوء إلى حلول عشوائية، مثل حملات القتل للكلاب، رغم استخدامها أحياناً "للضرورة"، مؤكداً أنها تبقى إجراءات غير مقبولة على المدى الطويل.
ويؤكد أن ضبط أعداد الحيوانات الضالة وحمايتها صحياً ينعكس إيجاباً على صحة الإنسان، خاصة في ظل المخاطر المرتبطة بالأمراض والطفيليات التي قد تنتقل من الحيوان إلى البشر، مشدداً على أن الحل الجذري يكمن في تشريع واضح وإدارة علمية مستدامة لهذا الملف.

استئناس الكلاب

يرى رئيس الجمعية الفلسطينية للرفق بالحيوان محمد أيمن حمد أن تفاقم ظاهرة الكلاب الضالة سببها الرئيسي هو غياب الوعي المجتمعي، إلى جانب اعتماد أساليب خاطئة في التعامل معها.
ويوضح حمد أن كثيراً من المواطنين يلجأون إلى ضرب الكلاب أو قتلها فور رؤيتها في الشوارع، رغم أن معظم هذه الكلاب "مستأنسة وتعيش بالقرب من المنازل والمحلات ولا تشكل خطراً"، لافتاً إلى أن حالات الهجوم على المواطنين غالباً ما ترتبط بالخوف من الناس وكردة فعل تهاجم بهدف الدفاع عن النفس.
ويشدد حمد على أن التعامل مع الكلاب المصابة بالسعار يجب أن يكون حصراً من قبل الجهات المختصة وبالتنسيق مع البلديات، محذراً من تدخل المواطنين بشكل مباشر لما يشكله ذلك من خطر.
ويصف ظاهرة تسميم الكلاب بأنها "غير قانونية وغير إنسانية"، إضافة إلى كونها غير فعالة، إذ تؤدي إلى نفوق حيوانات أخرى، وقد تعرض الإنسان نفسه للخطر.
ويبيّن حمد أن تجربة التسميم لم تحقق أي نتائج ملموسة، بل على العكس، تؤدي إلى عودة الكلاب بأعداد أكبر وأكثر شراسة إلى المناطق التي يتم إفراغها منها، نتيجة ما وصفه بـ"احتلال الفراغ البيئي" من قبل مجموعات جديدة من الكلاب.

أهمية تطعيم الكلاب

وفي المقابل، يطرح حمد حلولاً علمية تقوم على تعقيم الكلاب الضالة وتطعيمها ضد الأمراض، بما فيها السعار، وتركيب علامات تعريفية لها، ثم إعادتها إلى بيئتها، موضحاً أن وجود عدد محدود من الكلاب المعقمة في منطقة معينة يمنع دخول كلاب جديدة إليها، ويسهم في السيطرة على الظاهرة بشكل مستدام.
ويشير حمد إلى أن الجمعية، بالتعاون مع مختصين وطلبة في الطب البيطري من جامعة النجاح الوطنية، أعدت خططاً متكاملة لتطبيق هذه الاستراتيجية، وقدمتها لعدد من البلديات، إلا أن ضعف الميزانيات يدفع بعض الجهات لاعتماد التسميم كخيار أقل تكلفة رغم فشله.
ويلفت حمد إلى البعد الأخلاقي والديني في التعامل مع الحيوانات، مؤكداً أن الإساءة إليها مرفوضة، ومشدداً على أن المسؤولية الأساسية في إدارة هذا الملف تقع على عاتق أقسام الصحة والبيئة في البلديات، مع استعداد الجمعية للتعاون في تنفيذ برامج التعقيم والتطعيم على مستوى فلسطين.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا