آخر الأخبار

الذكرى الأولى لرحيل المناضل الوطني الكبير سميح سباتين "أبو هشام"

شارك

بقلبٍ يملؤه الفخر الممزوج بالألم، نتذكر اليوم، وبعد عام على رحيله، الأخ والمعلم، المناضل الذي وهب حياته لفلسطين، القائد الذي لم يترجل عن صهوة نضاله إلا ليلتقي بربه راضياً مرضياً. أحد طلائع الرعيل الأول لحركة "فتح"، الرفيق الوفي لشهداء فلسطين العظام، بدأ من قائد الثورة الشهيد الرمز ياسر عرفات "أبو عمار" وأول الرصاص وأول الحجارة الشهيد القائد خليل الوزير "أبو جهاد" والقائد الشهيد صلاح خلف "أبو إياد"، وغيرهم من القادة الشهداء، حتى آخر شهيد وجريح وأسير. تنقّل في ميادين النضال، من جهاز الرصد الثوري، إلى الأمن الموحد إلى الساحة الدبلوماسية، حاملاً صوت فلسطين في بلغاريا وتشيكوسلوفاكيا بصدق واقتدار.
ولد المناضل سميح إسماعيل سباتين في 1947/05/15، قبل النكبة التي حلت بفلسطين بعام، في ظروف كارثية، غاية في الصعوبة والتعقيد والألم، ظروف سيطرت عليها المأساة الجماعية التي لحقت بالشعب الفلسطيني، والتي عصفت بكل فرد وأسرة من أبناء فلسطين.
في العقد الأول من حياته أظهر سميح الطفل ذكاء" لافتاً"، وسرعة بديهة، أثارت إعجاب الكبار، وأحبها واتكأ عليها أقرانه الصغار. ورغم ضيق ذات اليد الذي رافق طفولتة ظل سميح مرحاً، خفيف الظل، عزيزاً، معتداً بنفسه، مهندماً أنيقاً، رياضياً، ومتفوقاً في دراستة.
كان سميح الشاب اليافع متمرداً وعنيداً، لا يقبل بالمسلّمات، ولا يُسلّم بالأمر الواقع. يجادل ويناقش ويمحص في كل شيء حوله. ورغم حداثة سنه، وفي سنين دراسته الإعدادية والثانوية كان يمشي في المسيرات والتظاهرات، ويشارك في الفعاليات الجماهيرية نصرةً لشعبنا.
لقد شكلت النكبة الفلسطينية -بما جسدته من مؤامرة ومخطط دولي للسطو على الأرض الفلسطينية، وإبادة سكانها ذبحاً وطرداً- الجمرة التي أشعلت نار الغضب ولهيب الثورة في كيان سميح وضميره، وكانت وقوداً يحركه في كل الاتجاهات.
لقد جاء الأول من يناير 1965 برصاصاته الأولى ليعلن الرد الفلسطيني على النكبة، وانطلاق الثورة الفلسطينية ممثلة بحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، الأمر الذي مثّل للمناضل سميح ولأبناء جيله شعلة الأمل الدالة على طريق الكرامة والحرية واستعادة الحقوق المسلوبة، فلم يتأخر بالانضمام إلى صفوفها والانخراط في العمل النضالي في أصعب مجالاتها.
بعد حزيران 1967 انتقل أبو هشام إلى الأردن، وعمل في جهاز الرصد الثوري الفلسطيني بكل كفاءة واقتدار. وبعد أحداث أيلول المؤسفة 1970 انتقل الى دمشق ومن هناك إلى لبنان.
في لبنان لعب أبو هشام دوراً فعالاً في حركة "فتح"، لاسيما في المجال الأمني، حيث ساهم في تأسيس جهاز الثورة الأمني، الأمن الموحد، تحت إشراف الشهيد القائد صلاح خلف "أبو إياد" حيث كان أحد قادته المميزين ومسؤول العلاقات الدولية فيه.
في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي، بينما كان الصراع محتدماً حول الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، كان المناضل أبو هشام من أبرز من ساهم في إنجاز هذا الاعتراف، الذي تجسد في قرار القمة العربية في الرباط 1974، الذي اتسع فيما بعد إقليمياً ودولياً. لقد قدم أبو هشام ورفاقه ثمناً غالياً اعتقالاً وتعذيباً، أخذ من بصره وصحته لقاء ذلك الاعتراف، ولكن ذلك لم يؤثر على بصيرته الثاقبة وسمعه المرهف وذاكرته التصويرية.
كما كُلف أبو هشام من القيادة الفلسطينية بملفات إقليمية ودولية حساسة، حيث لعب دوراً مهماً في إنجاز تلك الملفات، الأمر الذي ساهم في تعزيز علاقات (م. ت. ف) الإقليمية والدولية.
خلال عقد الثمانينيات من القرن الماضي انتقل أبو هشام للعمل الدبلوماسي في الخارج، حيث عين سفيرا" في كل من بلغاريا وتشيكوسلوفاكيا، حيث استفاد من خبرته في العلاقات الدولية في المجال الأمني ليكرس مفهوماً جديداً في الدبلوماسية، وهي "الدبلوماسية الأمنية". معرفة أبو هشام العميقة بالتحويلات الدولية، والقدرة على مخاطبة الآخر بلغة سياسية وقانونية، أكسبتاه الاحترام لدى الأطراف التي تختلف مع التوجهات الفلسطينية، وقد شملت صلاحيات أبو هشام أوروبا الشرقية، وحقق العديد من الإنجازات خلال هذه الفترة، من أهمها توطيد العلاقات بين الاتحاد السوفييتي والأحزاب الاشتراكيةو(م. ت. ف)، وتعزيز الاعترافات بالدولة الفلسطينية المستقلة، وتوفير مساعدات مهمة لدولة فلسطين، وزيادة المنح الدراسية، وتشييد السفارة في بلغاريا وغيرها.
إن إيمان أبو هشام بالتعددية السياسية، وديمقراطية غابة البنادق، قاداه إلى تكريس الجهد الأكبر نحو توطيد وترسيخ العلاقات الداخلية بين مختلف فصائل وقوى العمل الوطني، والحفاظ على الوحدة الوطنية كركيزة أساسية نحو استعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، الأمر الذي جعل منه جسراً تلتقي عليه مختلف فصائل المنظمة. وخير دليل على ذلك ما تم إنجازه في العاصمة التشيكية (اتفاق براغ للوحدة الوطنية الفلسطينية) حيث كان أبو هشام المحرك والجامع لهذا الاتفاق.
عاد المناضل "أبو هشام" إلى الوطن إثر اتفاقيات أوسلو، حيث كان مستشاراً للرئيس ياسر عرفات ومحافظاً في الداخلية، وكلف من قبل الشهيد الرمز ياسر عرفات بالعلاقات مع قوى السلام ولجنة المتابعة لعليا للجماهير العربية، حيث رسخ أفضل العلاقات مع كافة الأحزاب والقامات الثقافية والفكرية، التي كانت تحظى باحترامه الشديد، وكانت هذه العلاقة هي الأقرب إلى قلب أبو هشام. نوجه التحية إلى أصدقاء أبو هشام محمد بركة وأيمن عودة وأحمد الطيبي وكل أعضاء لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية داخل الخط الأخضر.
في العام 2006، عين مستشاراً خاصاً للرئيس محمود عباس لشؤون الأمن القومي بدرجة وزير.
لقد كان أبو هشام رجل علاقات عامة من طراز مميز تجاوزت حدود الوطن إلى الفضاء الواسع العربي والدولي، واعتنق برحابة وسماحة الأديان، لا تمييز ولا تعصب، لم تقتصر علاقاته على رجال السياسة والأمن والدبلوماسية، بل امتدت إلى رجال الفكر والثقافة والدين، إلى رجال الأدب والشعر والصحافة والفن. وأذكر من هؤلاء، لا على سبيل الحصر: توفيق زياد، محمود درويش، سميح القاسم، أحمد فؤاد نجم، إميل حبيبي، جورج طوبي، وديع أبو نصار، الشيخ إمام، نهاد المشنوق، خير الله خير الله، صالح قلاب، وغيرهم كثير. وغالباً ما يبادرك أصدقاؤه عندما تلقاهم بومضاته الصادمة الخفيفة الساخرة، الملخصة بعمق وذكاء لمشهد ضبابي ومتداخل.
نم قرير العين، فقد أديت الأمانة وكنت حصناً منيعاً من حصون الثورة. ستبقى سيرتك العطرة، الموشحة بوسام طروادة ووسام الصداقة الروسي، نبراساً لنا وللأجيال القادمة. نعاهدك أن نبقى على دربك، متمسكين بالثوابت، مخلصين لفلسطين التي أحببت.
لقد كانت مسيرة حياة ابو هشام وقدره أن يمشي درب الأشواك مع أبناء الشعب الفلسطيني منذ ولادته في 1947/05/15وحتى رحيلة في 2025/04/11 بكل إخلاص وإصرار وشرف. وكان يردد دوماً: أنا يا أخي، آمنت بالشعب المضيع والمكبل، وحملت رشاشي لتحمل بعدنا الأجيال منجلاً.
كان يحلم ويقاتل ويعمل من أجل أن تحمل أجيال الاستقلال والمستقبل من شعبنا من بعد ذلك النضال، وتلك التضحيات، القلم والمنجل، وتعيش بحرية وكرامة وسلام، في وطن حر وكريم.
رحمك الله يا أباهشام، وأسكنك فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقا.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا