آخر الأخبار

الحرب على إيران: فشل أهداف نتنياهو وتخبط إدارة ترامب

شارك

يشير مسار التصعيد العسكري الذي تقوده إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران منذ نهاية فبراير الماضي إلى حالة من العبث في إدارة العلاقات الدولية. فقد تحولت الحرب من وسيلة لتحقيق أهداف سياسية إلى هدف بحد ذاته تسعى الدولتان لاستدامته عبر خطاب سياسي يبرر استمرار العمليات العسكرية رغم تداعياتها الكارثية.

انطلقت هذه المواجهة بأهداف معلنة تمثلت في إسقاط النظام الإيراني وتجريده من عناصر قوته الثلاثة، وهي القدرات النووية، والبرنامج الصاروخي الباليستي، ومنظومة التحالفات الإقليمية الممتدة. وقد تجلى هذا بوضوح في الخريطة التي عرضها بنيامين نتنياهو، والتي حددت خمس دول كأهداف عسكرية مباشرة للعمليات الإسرائيلية.

رغم كثافة الدمار الذي خلفته ما تسمى بـ 'حرب الجبهات السبع' في غزة والضفة الغربية ولبنان، إلا أن الواقع الميداني يؤكد فشل إسرائيل في تحقيق اختراق استراتيجي. فلم يسقط النظام في طهران، ولم تستجب الجماهير الإيرانية لدعوات الثورة التي أطلقها نتنياهو وترامب مراراً، مما أصاب القيادة الإسرائيلية بخيبة أمل واضحة.

يأتي تعيين مئير بن شبات رئيساً لجهاز 'الموساد' كإشارة إلى رغبة إسرائيلية في مواصلة محاولات تحفيز التغيير الداخلي في إيران. ومع ذلك، فإن الانتقادات التي وجهها بن شبات سابقاً لغياب الإعداد الحقيقي لهذا الهدف، تعكس فجوة كبيرة بين الطموحات السياسية والقدرات العملياتية على الأرض.

على الجانب الآخر، أظهرت إيران مرونة في التعامل مع الضربات، حيث سارعت لاختيار خليفة للمرشد الأعلى عقب عملية الاغتيال التي استهدفته. هذا التحرك بعث برسالة واضحة حول استمرارية النظام وتماسكه، في وقت نجحت فيه الدفاعات الجوية الإيرانية في تعديل ميزان القوى في مسرح العمليات.

أعادت طهران اكتشاف أهمية مضيق هرمز كأصل استراتيجي فاعل في المواجهة، مما أجبر الإدارة الأمريكية على تغيير خطابها. فقد انتقل الرئيس ترامب من الحديث عن تغيير النظام إلى التركيز على 'فتح المضيق'، وهو ما يعد تراجعاً تكتيكياً فرضته الضرورات الاقتصادية والملاحية العالمية.

يكشف التخبط الاستراتيجي الأمريكي عن انقسام في الرؤى بين واشنطن وتل أبيب، خاصة بعد قبول ترامب لمبدأ التفاوض والهدنة المؤقتة. هذا القرار أثار اضطراباً في مكتب نتنياهو، الذي يخشى من أن تؤدي المسارات الدبلوماسية إلى تقويض أهدافه العسكرية الرامية لاستمرار الصراع.

إن الانتقال من الحرب إلى المفاوضات رسمياً يمثل تحولاً درامياً في النهج الاستراتيجي الأمريكي، ويكشف عن عدم ثقة واشنطن في قدرة الخيار العسكري على حسم ملف الملاحة.

شهدت العاصمة الباكستانية إسلام أباد مفاوضات ماراثونية استمرت 21 ساعة بين وفد أمريكي رفيع وآخر إيراني بقيادة محمد باقر قاليباف. تناولت هذه المباحثات قضايا شائكة تشمل البرنامج النووي، والأرصدة المجمدة، وأمن الملاحة في الخليج، في محاولة لنزع فتيل الانفجار الشامل.

تعتمد فرص نجاح هذه المفاوضات على مدى مرونة الطرفين في تقديم تنازلات متبادلة، بعيداً عن منطق 'المعادلة الصفرية'. ومع ذلك، فإن اللوبي المؤيد للحرب في إسرائيل والولايات المتحدة يسعى جاهداً لإفشال أي تقارب دبلوماسي، مروجاً لادعاءات حول عدم جدوى الحوار مع طهران.

في حال عادت الحرب للاشتعال، فإن أهدافها ستتحرك للمرة الثالثة نحو فرض حصار بحري شامل على الموانئ الإيرانية. ويدعي ترامب أن هذا الإجراء يهدف لإجبار إيران على العودة لطاولة المفاوضات، في قلب واضح للحقائق كونه هو من انسحب من المسارات الدبلوماسية سابقاً.

يمثل الحصار البحري المقترح تهديداً ليس لإيران فحسب، بل لمصالح عشرات الدول التي تعتمد على النقل البحري في الخليج وبحر عمان. دول كبرى مثل الصين والهند، بالإضافة إلى قوى أوروبية، أعربت عن رفضها لهذه الخطوة التي تتعارض مع حرية التجارة العالمية.

حذرت الصين بوضوح من أن الحصار البحري سيؤدي إلى تداعيات اقتصادية وخيمة على مستوى العالم، بينما رفضت دول في حلف الناتو المشاركة فيه. هذا الموقف يضع الولايات المتحدة في مواجهة محتملة مع حلفائها التقليديين، ويزيد من عزلتها الدولية في هذا الملف.

يبدو أن الإدارة الأمريكية لا تدرك حجم الخسائر الاستراتيجية التي قد تترتب على استمرار المواجهة المفتوحة مع إيران. فالحلفاء الإقليميون الذين يدفعون ثمن هذه السياسات، يجدون أنفسهم بلا وسائل دفاع حقيقية أمام التبعات الباهظة لخطيئة الحرب المستمرة.

في نهاية المطاف، يظل المشهد مفتوحاً على احتمالات التصعيد أو العودة للمفاوضات تحت ضغط الحاجة الدولية لاستقرار الملاحة. لكن الثابت الوحيد هو أن الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية تعاني من تخبط عميق، حيث تتغير الأهداف مع كل إخفاق ميداني جديد.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا