آخر الأخبار

تدمير الآثار والمخطوطات في غزة: حرب على الهوية والتاريخ

شارك

لم تكن غزة يوماً مجرد مدينة عابرة في سجلات التاريخ، بل هي محطة إستراتيجية صاغها موقعها الاستثنائي كجسر يربط بين أفريقيا وآسيا منذ أكثر من 5000 عام. هذه المدينة التي كانت محاطة بسور شاهق يرتفع 30 متراً وتتوزع عليه ثماني بوابات، شهدت تعاقب الحضارات التي تركت كل منها بصمتها في طبقات العمران والذاكرة.

رغم أن غزة دُمرت نحو 46 مرة عبر تاريخها الطويل، إلا أنها كانت تعيد بناء نفسها في كل مرة، لكن الإبادة الحالية تختلف جذرياً عن سابقاتها. يرى مؤرخون ومسؤولون أن الاستهداف الحالي لا يطال الحجر فقط، بل يسعى لاجتثاث الذاكرة الفلسطينية وسردية المكان الممتدة عبر آلاف السنين بشكل ممنهج.

أفادت مصادر رسمية بأن الاحتلال الإسرائيلي تعمد تدمير المعالم الثقافية، حيث طال القصف المسجد العمري وقصر الباشا التاريخي في قلب مدينة غزة. هذا التدمير يمثل محاولة لقطع الصلة بين الإنسان الفلسطيني وأرضه، وتغييب الشواهد المادية التي تثبت تجذره في هذه الجغرافيا منذ العصور القديمة.

دخل المشهد الثقافي في غزة حالة من الحصار المركب منذ عقود، حيث تم تقييد حركة الفنانين ومنع إدخال الكتب وملاحقة الأدباء. واضطر العديد من الكتاب إلى استخدام أسماء مستعارة لمواصلة نتاجهم الإبداعي تحت وطأة الملاحقة، مما جعل العمل الثقافي جزءاً أصيلاً من معركة الوجود والهوية.

أكد حمودة الدهدار، مدير دائرة المواقع الأثرية أن المسح الميداني كشف عن تدمير أكثر من 90% من المواقع والبيوت الأثرية البالغة 283 موقعاً. وأوضح أن الاستهداف شمل مباني تعود للفترات المملوكية والأيوبية والعثمانية، مما أدى إلى ضياع إرث معماري لا يمكن تعويضه بأي ثمن.

تعرض متحف قصر الباشا لعملية نهب واسعة، حيث فُقدت أكثر من 17 ألف قطعة أثرية كانت تجسد تاريخ القطاع عبر العصور. ومن بين المفقودات والمخطوطات التي تعرضت للإتلاف مزامير داود ونسخة عثمانية نادرة من القرآن الكريم، مما يشير إلى رغبة في محو التعددية الثقافية للمدينة.

في ظل القصف المستمر، تشكلت فرق تطوعية صغيرة حاولت إنقاذ ما يمكن إنقاذه من تحت الركام بأبسط الإمكانيات المتاحة. وعمل هؤلاء المتطوعون على توثيق الدمار وحماية أجزاء من سوق قيسارية الأثري، في محاولة يائسة للحفاظ على بقايا الذاكرة العمرانية قبل تلاشيها تماماً.

ما جرى لم يكن دماراً عرضياً، بل استهدافاً متعمداً لطبقات الهوية الفلسطينية واجتثاثاً لسردية المكان.

لم تنجُ المخطوطات الورقية من آلة الحرب، حيث فقدت دائرة المخطوطات بوزارة الأوقاف أرشيفاً يضم 228 مخطوطة كاملة وآلاف الصحف التاريخية. هذه الوثائق التي تمتد من القرن الرابع عشر حتى بدايات القرن العشرين كانت تمثل الذاكرة المكتوبة والاجتماعية لأهل غزة وتطور حياتهم المدنية.

تروي حنين العمصي، مديرة مؤسسة 'عيون على التراث'، مشهداً صادماً لدمار المؤسسة التي كانت تحتضن 80% من إرث غزة المطبوع قبل عام 1948. فقد تحولت الكتب والمخطوطات إلى ركام مجرف، ودُمرت مختبرات الترميم والرقمنة بالكامل، مما أنهى البنية المؤسسية لحماية الذاكرة الثقافية.

على صعيد المكتبات العامة، دُمرت مكتبة بلدية رشاد الشوا بالكامل، وفقدت مكتبة غزة العامة أكثر من 80% من محتوياتها التي تضم مراجع نادرة. ووصف مسؤولون هذا الاستهداف بأنه ضرب للوعي الجمعي ومحاولة لقطع ذاكرة الأجيال الصاعدة عن تاريخها الثقافي والعلمي.

وسط هذا الركام، برز مشروع الرقمنة كطوق نجاة وحيد لبعض السجلات الإدارية والحقوقية في بلدية غزة. حيث نجحت الوحدة التقنية في إنقاذ 95% من البيانات الحيوية التي تشمل سجلات الملكية وتراخيص البناء، مما يحمي 'ذاكرة الحقوق' من الضياع الكلي تحت الأنقاض.

لم تتوقف الإبادة عند المعالم والكتب، بل امتدت لتشمل 'اغتيال الأدمغة' من خلال استهداف النخب الأكاديمية والثقافية بشكل مباشر. وتشير التقارير إلى استشهاد العشرات من الكتاب والفنانين والموسيقيين والصحفيين، في محاولة لضرب البنية الفكرية للمجتمع الفلسطيني وإفراغه من قياداته الإبداعية.

تقدر الخسائر المادية للقطاع الثقافي في غزة بنحو 175 مليون دولار، وهي أرقام تعكس حجم الكارثة التي حلت بالبنية التحتية الثقافية. وتؤكد مصادر محلية أن الأعداد الحقيقية للضحايا والخسائر في هذا القطاع تتجاوز بكثير ما تم إعلانه رسمياً حتى الآن بسبب صعوبة الوصول لجميع المناطق.

إن ما تعرضت له غزة من استهداف لمواقعها التاريخية يمثل انتهاكاً جسيماً لاتفاقية لاهاي لعام 1954 واتفاقيات اليونسكو المعنية بحماية الممتلكات الثقافية. وتبقى محاولات المتطوعين لترميم ما تبقى من مخطوطات المسجد العمري صرخة في وجه محاولات محو حضارة صمدت آلاف السنين.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا