بعد إعلان واشنطن بدء حصار بحري شامل على السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو القادمة منها، لم يعد سؤال البدائل يتعلق بمضيق هرمز وحده، بل بمنظومة الموانئ الجنوبية كلها.
دخل الحصار حيّز التنفيذ، اليوم الاثنين، الساعة الثانية عصرا بتوقيت غرينتش، بحسب التوقيت الذي أعلنته القيادة المركزية الأمريكية سابقا، التي قالت إن الحصار يشمل جميع الموانئ الإيرانية المطلة على الخليج ومضيق هرمز وبحر عُمان، ويستهدف السفن التجارية الداخلة إلى السواحل الإيرانية أو الخارجة منها، مع تنبيه خاص للسفن الموجودة في بحر عُمان ومداخل مضيق هرمز إلى متابعة الإشعارات الأمريكية.
بهذا المعنى، لم تعد طهران تبحث عن منفذ يلتف على هرمز فقط، بل عن بدائل خارج الجغرافيا البحرية المحاصَرة كلها.
ولا تبدو المنافذ الجنوبية التي طُرحت سابقا بوصفها بدائل محتملة ذات جدوى في هذا السياق. فميناء جاسك الذي كانت طهران تَعُده منفذا لتصدير النفط خارج مضيق هرمز، وتشابهار الذي يمثل بوابة إيران إلى المحيط الهندي، يقعان كلاهما ضمن المجال البحري الذي يشمله الحصار.
وعند هذه النقطة، يصبح النفط الحلقة الأصعب، لأن مركز ثقله التصديري ما زال في جزيرة خارك بقلب الخليج، في حين لا يُعَد " أسطول الظل" سوى وسيلة تمويه وشحن لتخفيف الضغط، لا بديلا جغرافيا حقيقيا ينقل صادرات الخام الإيرانية خارج الجنوب.
ومع سقوط البدائل الجنوبية، يصبح بحر قزوين الرئة البحرية الوحيدة خارج نطاق الحصار المعلن. ويربط ممر "شمال-جنوب" كلا من روسيا وبحر قزوين وإيران، في حين تراهن عليه طهران وموسكو لتخفيف الضغوط التي تفرضها المسارات التقليدية، مع التركيز على استكمال سكة "رشت-آستارا" وتطوير الموانئ القزوينية.
وفي السياق نفسه، أوردت وكالة "إرنا" الإيرانية الرسمية أن حجم التجارة بين إيران وروسيا بلغ 3.74 ملايين طن خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2024، بما يعزز فكرة أن الشمال بات متنفسا تجاريا مهمّا لطهران خارج الموانئ الجنوبية المحاصَرة.
داخل هذا البديل الشمالي، يبرز ميناء أمير آباد بوصفه المنفذ الأهم للسلع الأساسية القادمة من قزوين.
وقد أوردت "إرنا" أن أكثر من 3.25 ملايين طن من السلع الأساسية جرى تفريغها في بندر أمير آباد، وهو رقم يكشف الدور الذي يمكن أن يؤديه الميناء في استقبال الحبوب والمواد الأولية حين يتعطل الجنوب.
وفي محافظة كيلان، نقلت "إرنا" أيضا دخول أكثر من 67 ألف طن من الزيت الخام الغذائي عبر بندر كاسبين في منطقة أنزلي الحرة خلال شهرين فقط.
ومن ثَم، يستطيع الشمال استقبال جانب من الغذاء والزيوت والمواد الأساسية، حتى لو بقي عاجزا عن تعويض منظومة الجنوب بأكملها.
ولا يكتمل هذا البديل من دون البر والسكك الحديدية. فبحسب إرنا، بلغ النقل الدولي عبر السكك الحديدية الإيرانية 5 ملايين طن خلال العام الإيراني الجاري، بينها 2.4 مليون طن ترانزيت و2.6 مليون طن واردات وصادرات.
وهذا لا يساوي قدرة الموانئ الجنوبية، لكنه يكشف أن لدى إيران شبكة نقل يمكن أن تعيد توجيه جزء من تجارتها نحو الشمال والجوار إذا طال الحصار.
لكنَّ الحديث عن البدائل لا يكتمل من دون النظر إلى مكانة الإنتاج المحلي داخل معادلة الصمود. فإيران لا تواجه الحصار من دون قاعدة إنتاجية داخلية، إذ تُظهر المصادر الرسمية الإيرانية تقدما في بعض السلع الأساسية لا سيما القمح، حيث نقلت إرنا في مارس/آذار 2025 أن إنتاجه بلغ نحو 15 مليون طن، وأن مشتريات الدولة المضمونة تجاوزت 12 مليون طن.
غير أن هذا التقدم لا يعني اكتفاء كاملا، لأن إيران تصنف 25 سلعة ضمن السلع الأساسية، منها القمح والشعير والأرز والذرة والسكر والبذور الزيتية والشاي، كما أنها اضطرت في عام سابق إلى استيراد أكثر من 7 ملايين طن من القمح.
وهذا يعني أن الإنتاج المحلي يخفف أثر الحصار ويمنح طهران هامش صمود، لكنه لا يلغي حاجتها إلى الواردات، خصوصا في الزيوت والأعلاف وبعض السلع الأساسية الأخرى، أي أن الاكتفاء الذاتي الإيراني يبقى جزئيا لا شاملا.
ويُظهر ملحق الموازنة الإيرانية أن قيمة الواردات الإجمالية تبلغ 61.2 مليار يورو، وتشمل فئات واسعة مثل الآلات والتجهيزات والمواد الأولية والوسيطة بقيمة 34.7 مليار يورو، والهواتف المحمولة بنحو 2.3 مليار يورو بنوعيها، والسيارات 1.8 مليار يورو، والشاحنات القاطرة 1.4 مليار يورو، إلى جانب الأدوية وموادها الأولية والسلع الأساسية والأعلاف والمواد الزراعية.
وبناء على ذلك، فإن أي حصار طويل لا يضغط على الغذاء فقط، بل على الصناعة والدواء والاستهلاك اليومي أيضا.
الخلاصة أن البدائل المتاحة لإيران بعد حصار موانئ الجنوب ليست بحرية جنوبية، بل شمالية وبرية. فبحر قزوين، وموانئ مثل أمير آباد وأنزلي وكاسبين، وممر الشمال-الجنوب، وشبكة السكك والطرق نحو روسيا والقوقاز وآسيا الوسطى، هي المنافذ التي يمكن أن تخفف الاختناق.
لكنها تظل بدائل لإدخال جانب من الغذاء والزيوت والمواد الأولية، ولتحريك جزء من التجارة، أكثر مما هي بدائل قادرة على حمل صادرات النفط الإيرانية أو تعويض سعة الجنوب وسرعته.
وبعبارة أدق، تستطيع إيران أن تفتح رئة في الشمال، لكنها لا تملك حتى الآن قلبا بديلا لموانئها الجنوبية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة