آخر الأخبار

مصير رفات شهداء غزة تحت الأنقاض ومخاوف من تجريف الجثامين

شارك

لا تزال مأساة برج المهندسين في مخيم النصيرات شاهدة على واحدة من أبشع فصول حرب الإبادة في قطاع غزة، حيث استشهد أكثر من 250 فلسطينياً تحت أنقاض 22 شقة سكنية. وبعد مرور أكثر من عام، لا يزال نصف هؤلاء الضحايا على الأقل تحت الركام، حيث تحولت أجسادهم إلى رفات اختلط بحطام المبنى المدمر نتيجة غياب المعدات الثقيلة.

تعيش العائلات المكلومة حالة من العجز والقهر، إذ لم يتوقف الألم عند فقدان الأحبة، بل امتد ليشمل حرمانهم من حق الدفن اللائق والوداع الأخير. وتتصاعد المخاوف من أن يضيع رفات هؤلاء الشهداء أدراج الرياح في ظل استمرار منع الاحتلال لإدخال الآليات اللازمة لانتشالهم من تحت أطنان الإسمنت.

إسلام درويش، شابة فقدت زوجها وطفليها في القصف، تعبر عن خشيتها من نقل رفات عائلتها مع الركام للتخلص منه في البحر أو إعادة استخدامه في مشاريع تدوير المخلفات. وتتساءل بمرارة عما إذا كان قد بقي من أجسادهم ما يمكن دفنه بعد كل هذه المدة الطويلة من التحلل تحت الأنقاض.

في مدينة رفح، يروي شاهر أبو عودة قصة إبادة عائلته المكونة من 14 شخصاً، والذين لا يزالون تحت أنقاض منزلهم في القرية السويدية. ما جرى يصفه شاهر بالجريمة المركبة، حيث قصف المنزل ثم جُرف الحي بالكامل ونُقل الركام بما يحمله من رفات إلى جهات مجهولة دون إتاحة فرصة لانتشالهم.

وفي مشروع بيت لاهيا شمال القطاع، لا تزال عائلة أبو النصر تنتظر انتشال رفات 23 من أفرادها من بين 150 شهيداً ارتقوا في مجزرة مروعة. وتؤكد الناجية آية أبو النصر أن الصواريخ مزقت الجثامين إلى أشلاء اختلطت بالركام، مما جعل التعرف عليهم أمراً في غاية الصعوبة والتعقيد.

تشير بيانات الدفاع المدني الفلسطيني إلى أرقام صادمة للمفقودين تحت الأنقاض، حيث تتصدر محافظة غزة القائمة بوجود 4210 شهداء تحت ركام 589 منزلاً. ويليها شمال غزة بـ 2341 شهيداً، بينما تتوزع بقية الأعداد على المحافظة الوسطى وخان يونس ورفح، مما يعكس حجم الدمار الهائل.

أفادت مصادر في الدفاع المدني بأن طواقمها واجهت صعوبات بالغة في مشروع سابق لانتشال الشهداء، حيث لم يتم العثور على أي أثر لنحو نصف المستهدفين. ويعود ذلك إلى التحلل الشديد للجثامين وتأثير الأسلحة الفتاكة المستخدمة التي تسببت في تفتيت الأجساد واختلاطها بالتربة والحطام.

تجريف الركام المختلط برفات الضحايا ونقله وإعادة استخدامه يمثل امتهاناً صارخاً للكرامة الإنسانية وانتهاكاً خطيراً للقانون الدولي.

كشف مسؤولون في الدفاع المدني بمحافظة رفح عن ممارسات خطيرة للاحتلال، شملت استخدام الروبوتات والوسائل الآلية لتفتيت الجثامين قبل تجريف المواقع. وتواترت الأنباء عن نقل هذا الركام لاستخدامه في أعمال إنشائية داخل الأراضي المحتلة أو في مناطق عسكرية، في انتهاك صارخ لكل الأعراف الدولية.

من جانبه، شدد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة على وجود معطيات ميدانية تؤكد تعمد تجريف المنازل فوق رؤوس الضحايا وخلط رفاتهم بالركام. وطالب المكتب بضرورة فتح تحقيق دولي سريع ومستقل لكشف مصير آلاف المفقودين ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم التي تمس الكرامة الإنسانية.

اللجنة الدولية للصليب الأحمر أوضحت أنها تحاول تسهيل وصول طواقم الإنقاذ عبر الحوار مع أطراف النزاع، إلا أن القرارات النهائية تبقى بيد سلطات الاحتلال. وأكدت اللجنة أن عمليات البحث معقدة للغاية وتتطلب إمكانات تقنية كبيرة غير متوفرة حالياً في ظل الحصار المطبق على القطاع.

وفقاً لوزارة الصحة الفلسطينية، يُقدر عدد الشهداء الذين لا يزالون تحت الأنقاض بنحو 9000 مفقود، لم يتم إدراج معظمهم في السجلات الرسمية حتى الآن. ويشير المسؤولون إلى أن عائلات كاملة قد شُطبت من السجل المدني، مما يجعل إحصاء الضحايا بدقة عملية شبه مستحيلة في الوقت الراهن.

يصف خبراء في القانون الدولي ما يتعرض له رفات الشهداء بأنه 'جريمة حرب مكتملة الأركان' تندرج ضمن سياق الإبادة الجماعية المستمرة. فمنع انتشال الجثامين وعرقلة عمل الفرق الإنسانية يمثلان انتهاكاً جسيماً لاتفاقيات جنيف التي تفرض احترام الموتى وتسهيل دفنهم.

إن استمرار بقاء الجثامين تحت الركام يحول دون إغلاق الجراح النازفة لآلاف العائلات الفلسطينية التي تعيش على أمل استعادة بقايا أحبتها. وتناشد هذه العائلات المجتمع الدولي للضغط من أجل إدخال المعدات الثقيلة والوقود اللازم لعمل الدفاع المدني قبل فوات الأوان وضياع المعالم تماماً.

يبقى ملف المفقودين في غزة جرحاً مفتوحاً يختصر مأساة شعب يتعرض للإبادة والتمثيل به حياً وميتاً. ومع كل يوم يمر، تتلاشى فرص العثور على الرفات، لتتحول المنازل المدمرة إلى مقابر جماعية مجهولة المعالم، تنتظر من ينصف ضحاياها ويكشف للعالم مصير أجسادهم المفقودة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا