تعيش بلدة تياسير شرق مدينة طوباس حالة من الغليان عقب جريمة إعدام الشاب علاء صبيح برصاص جندي إسرائيلي كان في إجازة، مما يسلط الضوء مجدداً على تداخل الأدوار بين جيش الاحتلال والمستوطنين. وتأتي هذه الحادثة في سياق تصاعدي للاعتداءات التي تستهدف الوجود الفلسطيني في الأغوار الشمالية، حيث يواصل الاحتلال احتجاز جثمان الشهيد ويرفض تسليمه لذويه.
تعد منطقة الصافح في تياسير نموذجاً حياً للمعاناة اليومية التي يكابدها المزارعون، حيث يواجهون ملاحقات مستمرة واعتداءات جسدية مباشرة. المزارع عنان دراغمة، الذي حول 120 دونماً إلى بستان مثمر يوفر الرزق لعشرات العائلات، تعرض مؤخراً لهجوم عنيف أدى إلى كسر عظام يده وإحراق ممتلكاته وسياراته من قبل مجموعات المستوطنين.
المفارقة الصارخة تكمن في أن هذه الاعتداءات تقع داخل المناطق المصنفة (أ) حسب اتفاقية أوسلو، وهي المناطق التي يفترض أنها تخضع لسيطرة مدنية وأمنية فلسطينية كاملة. هذا التجاوز يثبت أن المشروع الاستيطاني لا يعترف بالتقسيمات السياسية، ويهدف إلى تقويض أي سيادة فلسطينية مستقبلية على الأراضي الحيوية والزراعية.
لم تقتصر الجرائم على الترهيب الجسدي، بل وصلت إلى حد إحراق المنازل المأهولة، كما حدث مع عائلة المواطن علي الفقير التي شردت بعد تحول منزلها إلى رماد. هذه العائلة التي تضم 16 فرداً باتت بلا مأوى، وهي المرة الثانية التي تتعرض فيها للتهجير بعد طردها سابقاً من منطقة المالح تحت ذرائع عسكرية واهية.
يشير هاني أبو علي، رئيس مجلس قروي تياسير، إلى أن البؤر الاستيطانية باتت تخنق التمدد السكاني للبلدة، حيث لا تبعد بعضها أكثر من 200 متر عن منازل المواطنين. هذا القرب المتعمد يضع مئات الدونمات من الدفيئات الزراعية تحت تهديد دائم، ويمنع المزارعين من الوصول الآمن إلى أراضيهم لقطف محاصيلهم.
تتجاوز الانتهاكات حدود الأرض لتصل إلى سرقة الموارد المائية والكهربائية، حيث يقوم المستوطنون بربط خطوطهم الخاصة بشبكات المزارعين الفلسطينيين عنوة. هذا السلوك يفرض أعباءً اقتصادية ونفسية هائلة على أصحاب الأرض، الذين يشاهدون ثرواتهم تُنهب لدعم بؤر استيطانية غير شرعية تقام على أنقاض حقوقهم التاريخية.
على الصعيد القانوني، يبذل المجلس القروي جهوداً مضنية عبر التواصل مع الجهات الرسمية والارتباط الفلسطيني لوضع حد لهذه التجاوزات وإزالة البؤر الحديثة. ورغم الوعود المتكررة بإخلاء المستوطنين، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى استمرار محاولات فرض وقائع جديدة عبر نصب الخيام والاستيلاء على الينابيع.
يرى خبراء في شؤون الاستيطان أن ما يحدث في تياسير يندرج ضمن إستراتيجية "الاستيطان الرعوي" التي تهدف إلى السيطرة على مساحات شاسعة بأقل عدد من المستوطنين. هذه السياسة تعتمد على الترهيب اليومي لخلق بيئة طاردة للسكان الأصليين، مما يؤدي في النهاية إلى تهجير قسري صامت بعيداً عن الأضواء الدولية.
تعتبر منطقة الأغوار، التي تشكل نحو 30% من مساحة الضفة الغربية، السلة الغذائية الكبرى والامتداد الإستراتيجي للدولة الفلسطينية المنشودة. لذا يسعى الاحتلال بكل قوته لتحويلها إلى مناطق عسكرية مغلقة أو محميات طبيعية، لقطع الطريق أمام أي تواصل جغرافي فلسطيني مع الحدود الأردنية.
تشير التقارير الرسمية الصادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى أن عام 2025 شهد تصعيداً غير مسبوق، حيث سجلت أكثر من 23 ألف اعتداء في مختلف المحافظات. هذه الأرقام تعكس سياسة ممنهجة تهدف إلى تفريغ الأرض، وقد أدت بالفعل إلى تهجير 13 تجمعاً بدوياً بالكامل منذ مطلع العام الجاري.
رغم كل هذه الضغوط، يظهر سكان تياسير والأغوار صموداً أسطورياً في التمسك بأراضيهم، مطالبين بتعزيز البنية التحتية وشق الطرق الزراعية كأدوات للمقاومة والثبات. إن توفير الخدمات الأساسية في المناطق النائية يعد السلاح الأهم في مواجهة محاولات الاقتلاع والتهجير التي تمارسها أذرع الاحتلال المختلفة.
المعركة في تياسير ليست مجرد نزاع على حدود قرية، بل هي معركة وجودية تمس جوهر المشروع الوطني الفلسطيني برمته. إن استهداف المزارعين في لقمة عيشهم وإحراق كتب أطفالهم وحقائبهم المدرسية يهدف إلى كسر الإرادة الوطنية، وهو ما يقابله الأهالي بإصرار على البقاء وإعادة الإعمار.
تؤكد مصادر محلية أن جيش الاحتلال بات يوفر غطاءً كاملاً للمستوطنين، بل ويشاركهم في تنفيذ الهجمات خاصة بعد أحداث أكتوبر 2023. هذا التحول جعل من كل مستوطن جندياً مفترضاً، ومن كل مزارع فلسطيني هدفاً مشروعاً في نظر منظومة الاحتلال التي تسابق الزمن لضم الأغوار فعلياً.
في الختام، يبقى التحرك الدولي والمؤسساتي ضرورة ملحة لحماية ما تبقى من وحدة الأغوار الجغرافية والديموغرافية. إن الصمت على ما يجري في تياسير ومنطقة الصافح يمنح الضوء الأخضر للاحتلال للاستمرار في سياسة التطهير العرقي التي تستهدف ركائز الأمن الغذائي والسيادة الفلسطينية.
المصدر:
القدس