شهدت العاصمة البريطانية لندن موجة جديدة من التوترات الأمنية عقب إقدام الشرطة على توقيف عشرات المتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين. وجاءت هذه التحركات الأمنية خلال تظاهرة حاشدة نُظمت لدعم منظمة "فلسطين أكشن"، التي تلاحقها السلطات البريطانية بسبب نشاطاتها المناهضة للشركات المتعاملة مع الاحتلال الإسرائيلي.
وأفادت مصادر ميدانية بأن عناصر الأمن اقتادوا النشطاء من وسط ميدان ترافالغار الشهير، وسط هتافات وتصفيق من مئات المتظاهرين الآخرين الذين شاركوا في الاعتصام. ورفع المحتجون لافتات صريحة تدعم المنظمة المحظورة، مما جعلهم عرضة للتوقيف المباشر بموجب القوانين الحالية التي تجرم دعم المجموعات المصنفة إرهابية.
وكانت شرطة لندن قد أصدرت تحذيرات مسبقة اعتبرت فيها أن أي فعاليات تهدف لدعم المجموعة تُعد "غير قانونية". وأكدت السلطات أن المشاركين في هذه التجمعات سيتعرضون للملاحقة القانونية، وهو ما تُرجم فعلياً بتدخل القوات لتفريق المحتجين الذين كان معظمهم من المواطنين البريطانيين كبار السن.
وتشير التقديرات إلى مشاركة نحو 500 شخص في الاعتصام الذي احتضنته ساحة ترافلغار، تعبيراً عن رفضهم لتصنيف المنظمة ككيان محظور. ورفع المشاركون شعارات تندد بالإبادة الجماعية في قطاع غزة، مؤكدين تضامنهم الكامل مع أهداف "فلسطين أكشن" في ملاحقة مصانع السلاح الإسرائيلية.
ونفذت الشرطة عمليات اعتقال جماعية للمتظاهرين الجالسين، حيث جرى نقلهم إلى نقاط تجميع مؤقتة في أطراف الساحة لإخضاعهم للتفتيش الدقيق. وعقب ذلك، تم اقتياد الموقوفين عبر حافلات صغيرة إلى مراكز الشرطة المختلفة، في محاولة لإنهاء الاعتصام الذي استمر لعدة ساعات.
وشهدت التظاهرة حضوراً لافتاً لمجموعات يهودية معارضة للسياسات الإسرائيلية، بالإضافة إلى ناجين من الهولوكوست وأفراد من عائلاتهم. وحمل المحتجون مجسماً لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، يتهمه بدعم الإبادة الجماعية ومعارضة التحركات الشعبية السلمية المناهضة للحرب.
ويأتي هذا التصعيد الأمني بعد قرار حظر المنظمة وتصنيفها كمنظمة إرهابية في يوليو الماضي، وهو القرار الذي يجعل الانتماء إليها جريمة جنائية. وتصل العقوبات المنصوص عليها في هذا الإطار إلى السجن لمدة 14 عاماً، مما يضع النشطاء تحت ضغوط قانونية هائلة في المملكة المتحدة.
من جانبها، كانت المحكمة العليا في لندن قد أصدرت حكماً في منتصف فبراير الماضي اعتبرت فيه أن الحظر قد يتعارض مع الحق في حرية التعبير. وجاء هذا الحكم استجابة لطعن قانوني، مما أدى إلى تعليق مؤقت لعمليات التوقيف قبل أن تعلن الحكومة عزمها استئناف القرار القضائي.
وأعلنت حركة "دافعوا عن هيئات المحلفين"، وهي الجهة المنظمة للاحتجاج أن التظاهرة تأتي رداً على ما وصفته بتواطؤ الحكومة البريطانية في الجرائم الإسرائيلية. وانتقدت الحركة استمرار الشرطة في تنفيذ الاعتقالات رغم وجود قرارات قضائية تشكك في قانونية الحظر المفروض على المجموعة.
وأكدت الحركة أن المحامين البارزين حذروا السلطات من أن هذه التوقيفات قد تكون غير قانونية وتفتقر إلى السند الدستوري المتين. ومع ذلك، استمرت الأجهزة الأمنية في ملاحقة المشاركين، حيث أعلنت بحلول عصر السبت عن توقيف 92 شخصاً تتراوح أعمارهم بين الشباب وكبار السن.
وفي شهادات من الميدان، قالت إحدى المشاركات إن الاستمرار في التظاهر يعد واجباً أخلاقياً لا يمكن التراجع عنه مهما كانت الضغوط القانونية. وأضافت أن الموقف الأخلاقي للمتظاهرين ثابت في مواجهة الإبادة الجماعية، حتى وإن تغيرت المواقف السياسية والقانونية للحكومة البريطانية.
وتشير الإحصائيات إلى أن قرابة ثلاثة آلاف شخص قد تعرضوا للتوقيف منذ صدور قرار حظر "بالستاين أكشن" العام الماضي. ويواجه المئات من هؤلاء اتهامات جنائية رسمية، معظمها يتعلق بحمل لافتات أو إبداء الدعم العلني للمنظمة في المحافل العامة.
وعلى الصعيد القضائي، قررت المحاكم البريطانية وقف جميع المحاكمات المتعلقة بدعم المنظمة بانتظار مراجعة شاملة للقضايا في نهاية يوليو المقبل. ويثير هذا التجميد القضائي تساؤلات حول مدى قدرة الحكومة على المضي قدماً في تجريم النشاط التضامني مع فلسطين تحت غطاء قوانين مكافحة الإرهاب.
يُذكر أن منظمة "فلسطين أكشن" تأسست في عام 2020 بهدف معلن وهو إنهاء المشاركة العالمية في نظام الفصل العنصري الإسرائيلي. وتركزت معظم عملياتها الميدانية على تعطيل إنتاج مصانع الأسلحة التابعة لشركة "إلبيت سيستمز" الإسرائيلية الموجودة على الأراضي البريطانية.
المصدر:
القدس