تتكرر في المدن المغربية مشاهد طوابير السيارات الطويلة أمام محطات الوقود قبيل منتصف الليل، حيث يسابق السائقون الزمن لملء خزاناتهم قبل دخول الزيادات السعرية الجديدة حيز التنفيذ. لم يعد المواطنون بحاجة إلى بلاغات رسمية لتوقع الغلاء، إذ باتت تقلبات الأسعار روتيناً يومياً يؤرق المعيشة منذ اندلاع التوترات العسكرية المرتبطة بإيران.
وعلى الرغم من الإعلان عن اتفاق مؤقت لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران وفتح مضيق هرمز، إلا أن هذا الانفراج العالمي لم يجد صدى في السوق المغربية. فقد تراجعت أسعار خام برنت عالمياً لتصل إلى نحو 103 دولارات للبرميل، بينما ظلت الأرقام في المحطات المحلية تراوح مكانها في مستويات مرتفعة.
تثير هذه المفارقة تساؤلات جوهرية حول سرعة استجابة السوق المغربية للارتفاعات الدولية مقابل التباطؤ الشديد في عكس الانخفاضات. ويرى مراقبون أن آليات التسعير المحلية تفتقر إلى الوضوح الكافي، مما يعزز الشعور لدى المستهلك بأنه يواجه قرارات جاهزة لا تمنحه فرصة للتكيف مع وتيرة الغلاء المتسارعة.
يفسر بعض الفاعلين في القطاع هذا التباين بما يسمى 'التأخر الزمني'، وهو الوقت اللازم لانعكاس السعر العالمي على المخزون المحلي وتكاليف النقل. غير أن هذا التبرير التقني يواجه انتقادات واسعة، خاصة عندما يُستخدم لتأجيل خفض الأسعار بينما يتم تمرير الزيادات في غضون ساعات قليلة.
من جانبه، أوضح الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز أن التراجع العالمي الحالي قد يكون مؤقتاً نظراً لحجم الدمار في البنية التحتية الطاقية بالخليج. وأشار اليماني إلى أن الأضرار في المنشآت قد تصل إلى 45%، مما يعني أن العودة للإنتاج الطبيعي قد تستغرق أكثر من عام.
وسجلت السوق المغربية خلال شهر آذار/مارس الماضي ثلاث زيادات متتالية، تبعتها زيادة رابعة مع مطلع نيسان/أبريل الجاري، مما ضاعف الضغوط على القدرة الشرائية. ووصل سعر لتر البنزين إلى نحو 15.52 درهماً، بينما بلغ الغازوال 14.52 درهماً، وسط توقعات باستمرار المنحى التصاعدي في المدى القريب.
وكشفت معطيات رسمية صادرة عن مجلس المنافسة أن أسعار البنزين في المغرب سجلت زيادات تجاوزت نظيرتها الدولية بفارق 0.17 درهم للتر الواحد. هذا الفارق يشير إلى وجود 'انتقائية' في نقل الأسعار، حيث لا يخضع السوق لمنطق التنافسية التلقائية بل لاعتبارات تجارية وتنظيمية معقدة.
منذ قرار تحرير أسعار المحروقات في عام 2015، كان الرهان على خلق سوق تنافسية تخدم المستهلك، لكن الواقع أثبت عكس ذلك. فالأسعار بين الشركات الكبرى تبدو متقاربة بشكل يثير الشكوك حول وجود 'تفاهمات ضمنية' تمنع المنافسة الحقيقية وتوحد توقيت الزيادات.
وتبرز الأزمة الحالية هشاشة بنيوية في قطاع الطاقة المغربي، حيث تعتمد البلاد على الاستيراد لتغطية أكثر من 94% من احتياجاتها الطاقية. هذا الارتباط الوثيق بالخارج يجعل الاقتصاد الوطني عرضة مباشرة لأي اضطراب جيوسياسي أو تعثر في سلاسل الإمداد العالمية.
كما تثير أرقام المخزون الاستراتيجي قلقاً إضافياً، إذ لا يتجاوز مخزون الغازوال 47 يوماً والبنزين 52 يوماً، وهي أرقام تقل عن الحد القانوني المطلوب. ورغم تطمينات وزارة الانتقال الطاقي، إلا أن هذه المستويات تضع البلاد في وضع حرج أمام أي أزمات طاقة طويلة الأمد.
ولم تتوقف الأزمة عند حدود المستهلك، بل امتدت لتشمل الموزعين الذين أعلنوا تعليق نشاطهم لمدة 48 ساعة احتجاجاً على تفاقم الضغوط المالية. ويشتكي مهنيو توزيع الغاز من ارتفاع تكاليف النقل والصيانة والأجور، مؤكدين أن هوامش الربح الحالية لم تعد تضمن استمرارية نشاطهم.
ومن المتوقع أن يلقي إضراب موزعي الغاز بظلاله على قطاعات حيوية مثل المطاعم والخدمات التي تعتمد بشكل كلي على قنينات الغاز. هذا التصعيد يضع السلطات أمام تحدٍ جديد لمنع انتقال الأزمة من مستوى الأسعار المرتفعة إلى مستوى انقطاع التزويد بالمواد الأساسية.
وفي محاولة لاحتواء الموقف، لجأت حكومة عزيز أخنوش إلى تقديم دعم مالي مباشر لمهنيي النقل لضمان عدم رفع أسعار السلع والخدمات. ومع ذلك، يرى مواطنون أن هذه الإجراءات تظل 'مسكنات' غير كافية، ولا تصل آثارها بشكل ملموس إلى المواطن البسيط الذي يواجه الغلاء وحيداً.
يبقى السؤال المطروح في الشارع المغربي حول من يتحكم فعلياً في خيوط هذه الأزمة، وهل السوق حرة حقاً كما يُروج لها؟ ومع استمرار التوترات الدولية، تظل كافة السيناريوهات مفتوحة، بما فيها وصول سعر اللتر إلى 18 درهماً، مما يضع الاستقرار الاجتماعي أمام اختبار حقيقي.
المصدر:
القدس