يواجه لبنان في المرحلة الراهنة تصعيداً عسكرياً مفتوحاً يتجاوز في أبعاده الحسابات الميدانية التقليدية، حيث يتسع نطاق الغارات الإسرائيلية لتشمل مناطق جغرافية جديدة وبكثافة نارية غير مسبوقة. هذا المسار يثير تساؤلات وجودية حول مستقبل الدولة والمجتمع، وسط مخاوف من سعي الاحتلال لتحويل الأراضي اللبنانية إلى نموذج مكرر لما يحدث في قطاع غزة.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الاستراتيجية الإسرائيلية تعتمد على التدمير المنهجي للبنى التحتية، ومحاولة فرض مناطق عازلة في الجنوب اللبناني. هذا التوجه يهدف بالأساس إلى دفع السكان نحو النزوح القسري والهجرة، مما يعيد تشكيل الواقع الديموغرافي بما يخدم الأهداف الأمنية والسياسية للاحتلال على المدى الطويل.
وفي سياق المساعي الدبلوماسية، تبرز حالة من الريبة تجاه دعوات المفاوضات الحالية، خاصة وأن دعوات سابقة أطلقها الرئيس جوزاف عون قوبلت بتجاهل إسرائيلي تام. ويرى مراقبون أن الحديث عن التفاوض في ظل القوة المفرطة قد يكون فخاً يهدف لتفجير الأوضاع الداخلية اللبنانية وفرض شروط استسلامية تحت وطأة النار.
وما يعزز هذه المخاوف هو غياب لبنان عن أي تفاهمات واضحة بين القوى الإقليمية والدولية، وتحديداً الولايات المتحدة وإيران. هذا الفراغ الدبلوماسي جعل الساحة اللبنانية مكشوفة تماماً، ومجردة من أي مظلة ردع دولية تحميها من الآلة العسكرية التي لا تتقيد بسقوف القانون الدولي أو الإنساني.
لقد أثبتت التجارب السابقة، سواء في غزة أو في حروب الجنوب السابقة أن إسرائيل تعتمد سياسة 'الأرض المحروقة' لفرض وقائع أمنية جديدة. استهداف العمق المدني في بيروت وضواحيها مؤخراً يعكس تصعيداً نوعياً يهدف لخلق بيئة طاردة للسكان وإثارة الفتن الداخلية بين المكونات اللبنانية المختلفة.
على الصعيد الاقتصادي، يأتي هذا العدوان في وقت يعاني فيه لبنان من هشاشة غير مسبوقة وأزمة مالية هي الأسوأ في تاريخه الحديث منذ عام 2019. فقدت العملة الوطنية قيمتها بشكل شبه كامل، وانهار النظام المصرفي، مما جعل قدرة الدولة على الصمود في وجه التبعات العسكرية محدودة للغاية.
وتشير الأرقام الاقتصادية إلى تراجع حاد في الناتج المحلي الإجمالي، الذي انخفض من 55 مليار دولار إلى نحو 20 مليار دولار فقط خلال سنوات قليلة. هذا الانهيار أدى إلى شلل تام في القطاعات الإنتاجية والسياحية، وزاد من معاناة المواطنين الذين يواجهون ظروفاً معيشية قاسية تحت وطأة القصف والنزوح.
وتقدر تقارير دولية أن معدلات الفقر في لبنان تجاوزت حاجز 70%، وهي نسبة مرشحة للارتفاع مع استمرار العمليات العسكرية وتوقف عجلة الاقتصاد. كل جولة تصعيد جديدة تعني مزيداً من البطالة وتآكل القدرة الشرائية، مما يضع المجتمع اللبناني أمام خطر الانفجار الاجتماعي الشامل.
إن الحديث الإسرائيلي عن 'منطقة عازلة' لا يمكن اعتباره مجرد إجراء أمني مؤقت، بل هو آلية لقضم الأراضي اللبنانية بشكل تدريجي. هذه السياسة تذكر بتجارب سابقة أدت إلى تهجير قسري للسكان وفقدان مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والحيوية في المناطق الحدودية.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، يبرز غياب المساءلة الدولية كعامل مشجع لاستمرار الانتهاكات الإسرائيلية دون رادع فعلي. الردود الدولية المحدودة والمواقف السياسية الخجولة تعزز شعور الإفلات من العقاب، وتجعل من حديث المفاوضات مجرد وسيلة لكسب الوقت واستكمال المخططات العسكرية.
لبنان يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، فإما الاستمرار في دوامة التصعيد التي قد تنتهي بنكبة جديدة تشبه نكبة فلسطين، أو تدخل دولي حقيقي. المطلوب هو فرض وقف شامل لإطلاق النار يحفظ سيادة لبنان ويمنع تحوله إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية على حساب دماء المدنيين.
إن الخشية الحقيقية تكمن في أن تؤدي الفوضى الدولية والضغط العسكري المستمر إلى تحويل أجزاء من لبنان إلى 'فلسطين ثانية'. هذا السيناريو يعني نشوء أزمة لاجئين جديدة وتفكيك ما تبقى من توازنات اجتماعية واقتصادية، وهو ما يخدم مصالح القوى التي تسعى لإعادة رسم خريطة المنطقة.
المفاوضات التي يتم الترويج لها حالياً، وفق الرؤية الترامبية أو الشروط الإسرائيلية، تستغل الواقع العربي والدولي المتردي للضغط على لبنان. هذه الضغوط تهدف لانتزاع تنازلات سيادية مقابل وقف القتل، وهو ما يضع المفاوض اللبناني في موقف شديد الصعوبة والتعقيد.
ختاماً، فإن حماية لبنان من سيناريو 'الغزونة' تتطلب وحدة داخلية صلبة وموقفاً عربياً ودولياً يتجاوز بيانات التنديد إلى إجراءات فعلية. إن استمرار الصمت تجاه ما يحدث في بيروت والجنوب يمهد الطريق لنكبة ثانية، حيث القاتل والمستفيد والغطاء الدولي لا يزالون هم أنفسهم.
المصدر:
القدس