أتم اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة شهره السادس، وسط واقع ميداني وإنساني مرير يثبت تنصل الاحتلال الإسرائيلي من معظم التزاماته التي أقرت في العاشر من أكتوبر 2025. ورغم المسار التفاوضي الطويل الذي سبقه، إلا أن القصف شبه اليومي والتعنت في ملفات إعادة الإعمار والمساعدات لا يزالان سيدا الموقف.
وفي جريمة جديدة استهدفت الكلمة والصورة، استشهد الصحفي محمد وشاح إثر غارة إسرائيلية استهدفت مركبته غربي القطاع، لينضم إلى قائمة طويلة تضم 262 صحفياً قضوا منذ بدء العدوان. ووصفت مصادر إعلامية هذا الاستهداف بأنه استمرار لسياسة ممنهجة تهدف لإسكات الشهود على الجرائم المرتكبة بحق المدنيين.
وبلغت الحصيلة الإجمالية لضحايا حرب الإبادة الجماعية منذ السابع من أكتوبر 2023 أرقاماً صادمة، حيث سجلت وزارة الصحة أكثر من 72 ألف شهيد و172 ألف جريح. هذه الأرقام تعكس حجم الكارثة التي تعرض لها المجتمع الفلسطيني في غزة على مدار عامين من القصف المكثف والدمار الممنهج.
ميدانياً، يواصل الجيش الإسرائيلي قضم مساحات واسعة من القطاع عبر ما يسمى 'الخط الأصفر'، وهو حزام أمني مستحدث يلتهم نحو 58% من مساحة غزة. هذا الخط يتحرك باستمرار باتجاه المناطق السكنية، مما يقلص المساحات المتاحة للعيش ويحول المناطق المتاخمة له إلى 'مناطق قتل' محققة.
وإلى جانب التحركات العسكرية الرسمية، برز دور مليشيات محلية تعمل تحت إشراف الاحتلال لتنفيذ عمليات اغتيال وإحداث فوضى أمنية داخل المدن. وتؤكد مصادر تحليلية أن هذه المجموعات تعمل كـ'حكومة ظل' وتشارك في إدارة معابر حيوية وتصنيف حركة الأفراد، مما يضاعف الضغوط العسكرية والسياسية على السكان.
إنسانياً، حذرت منظمة أطباء بلا حدود من أن الظروف المعيشية للفلسطينيين لا تزال تتردى بشكل متعمد بسبب عرقلة المساعدات. وأكدت المنظمة أن وقف إطلاق النار لم ينهِ مظاهر الإبادة، بل استبدلها بنمط من الخنق الممنهج الذي يستهدف تدمير مقومات الحياة الأساسية من مياه وغذاء ورعاية صحية.
وكشف التقرير الدولي عن إلغاء إسرائيل تسجيل 37 منظمة إنسانية دولية كانت تقدم خدمات حيوية في القطاع، مما عمق الأزمة الصحية. كما يواجه أكثر من 18 ألف مريض، بينهم آلاف الأطفال، خطراً داهماً بسبب منع الاحتلال لعمليات الإجلاء الطبي الضرورية لتلقي العلاج في الخارج.
ويعيش نحو 90% من سكان غزة في حالة نزوح مستمر، حيث يضطرون للتنقل بين خيام وملاجئ متهالكة تفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية. ومع تقلص المساحات الجغرافية بسبب التوسع العسكري الإسرائيلي، بات مئات الآلاف يتكدسون في رقعة أرض صغيرة تفتقر للخدمات الأساسية.
وفيما يخص البروتوكول الإنساني، أكد مركز غزة لحقوق الإنسان أن الاحتلال يخرق بنود إدخال الشاحنات بشكل صارخ. فبينما نص الاتفاق على دخول 600 شاحنة يومياً، لا يتجاوز ما يسمح بعبوره 39% من هذه الكمية، مع تقليص حاد في إمدادات الوقود اللازمة لتشغيل المستشفيات ومحطات المياه.
ويعاني القطاع من شلل شبه كامل في الخدمات الأساسية نتيجة منع إدخال المواد اللازمة لصيانة البنية التحتية والمعدات الثقيلة للدفاع المدني. هذا التعنت يحول دون انتشال جثامين الشهداء من تحت الأنقاض، ويمنع ترميم شبكات الصرف الصحي والكهرباء التي دمرها القصف.
وتشير التقديرات الدولية إلى أن حجم الدمار في غزة طال 90% من المنشآت والمباني، مخلفاً وراءه ما يزيد على 42 مليون طن من الركام. وتصف الأمم المتحدة عملية إزالة هذه الأنقاض بالمعقدة والخطيرة نظراً لاحتوائها على مخلفات حربية غير منفجرة وجثامين لم تُكتشف بعد.
اقتصادياً، قدرت الخسائر المباشرة بنحو 70 مليار دولار، وهو رقم لا يشمل التبعات طويلة الأمد لتوقف العجلة الإنتاجية وفقدان الوظائف. لقد تسببت الحرب في محو عقود من التنمية، مما أعاد مستويات المعيشة في غزة إلى ما كانت عليه قبل ستة عقود، في عملية إفقار وتدمير شاملة.
أمام هذا الواقع، تجدد المنظمات الدولية دعواتها للقوى العالمية والاتحاد الأوروبي والدول العربية للضغط على إسرائيل للالتزام بواجباتها كقوة احتلال. إن استمرار الصمت الدولي تجاه هذه الخروقات يهدد بانهيار ما تبقى من منظومة إنسانية، ويجعل من اتفاق وقف إطلاق النار مجرد حبر على ورق.
المصدر:
القدس