فاجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الأوساط الدولية بإعلان التوصل إلى اتفاق مؤقت لوقف إطلاق النار مع إيران لمدة أسبوعين، في خطوة تهدف إلى نزع فتيل مواجهة شاملة كانت تنذر بحرب مفتوحة. ويقضي الاتفاق بإعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل وفوري، وهو الممر المائي الذي ظل مغلقاً منذ أواخر فبراير الماضي، مما أثر بشكل حاد على إمدادات الطاقة العالمية.
وفي سياق الجهود الدبلوماسية، أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن بلاده ستستضيف وفدين رفيعي المستوى من واشنطن وطهران يوم الجمعة المقبل. وتهدف هذه المفاوضات التي ستحتضنها إسلام آباد إلى صياغة اتفاق نهائي ينهي الخلافات العميقة بين الطرفين، بعد وساطة باكستانية مكثفة نجحت في تقريب وجهات النظر الأولية.
ويترأس الوفد الأمريكي نائب الرئيس جيه دي فانس، بمشاركة المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، بينما يقود الوفد الإيراني رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف. وتعكس هذه التشكيلة رغبة الطرفين في إضفاء ثقل سياسي على المحادثات، رغم التحذيرات الأمريكية من أن القوة العسكرية تظل خياراً قائماً في حال فشل المسار الدبلوماسي.
من جانبها، طرحت طهران مقترحاً يتكون من عشر نقاط اعتبرته أساساً للحل، يتضمن استمرار سيطرتها على مضيق هرمز والاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم. كما تشمل المطالب الإيرانية رفع كافة العقوبات الأساسية والثانوية، وانسحاب القوات القتالية الأمريكية من المنطقة، ودفع تعويضات عن خسائر الحرب التي اندلعت مؤخراً.
إلا أن البيت الأبيض سارع إلى نفي تبني الصيغة الإيرانية المنشورة، مؤكداً أن الوثيقة المتداولة ليست إطار العمل الفعلي الذي وافق عليه الرئيس ترمب. ووصفت مصادر أمريكية المقترح الإيراني بأنه مجرد 'أساس للتفاوض' لا يعني القبول ببنوده، خاصة فيما يتعلق بملف التخصيب الذي يمثل خطاً أحمر لواشنطن.
وتبرز قضية اليورانيوم المخصب كأحد أعقد ملفات التفاوض، حيث تشير تقارير دولية إلى امتلاك إيران كميات كبيرة من اليورانيوم بنسبة 60%. وبينما تؤكد واشنطن أن طهران أبدت استعداداً لتسليم مخزونها، تصر المصادر الإيرانية على حقها في التخصيب، وهو تناقض يهدد بانهيار المحادثات قبل بدئها.
وفيما يخص الجبهة اللبنانية، ساد غموض كبير حول شمولها بوقف إطلاق النار، حيث أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن وقف العدوان على لبنان شرط أساسي. في المقابل، شددت المتحدثة باسم البيت الأبيض ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أن لبنان غير مشمول بالاتفاق الحالي بأي شكل من الأشكال.
وتزامن هذا الجدل مع تصعيد عسكري إسرائيلي غير مسبوق، حيث استهدفت غارات جوية نحو 100 موقع في بيروت والبقاع وجنوب لبنان. وأدت هذه الهجمات إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، مما اعتبرته طهران خرقاً لروح التفاهمات الأولية التي سبقت مفاوضات إسلام آباد المرتقبة.
كما يظهر تباين واضح في تفسير وضع مضيق هرمز؛ فبينما يرى ترمب أن الاتفاق يلزم طهران بفتحه فوراً للملاحة الدولية، يصر المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني على أن السيادة تظل لطهران. وتشترط إيران حصول السفن العابرة على إذن مسبق، مع إمكانية فرض رسوم عبور، وهو ما ترفضه واشنطن جملة وتفصيلاً.
وعلى الصعيد الداخلي الأمريكي، يبرز دور جيه دي فانس الذي انتقل من موقف التحفظ على الحرب إلى قيادة قاطرة التفاوض. فانس الذي كان ينتقد 'الحروب غير الحكيمة'، بات الآن يتبنى رؤية ترمب التي تمزج بين الضغط العسكري القصوى والدبلوماسية المباشرة لتحقيق مصالح الولايات المتحدة.
وتشير تقارير إلى وجود تباينات داخل معسكر ترمب نفسه، حيث يمثل وزير الخارجية ماركو روبيو الجناح الأكثر حماسة للتصعيد العسكري. ورغم ذلك، يبدو أن ترمب منح فانس الضوء الأخضر لإدارة الملف الإيراني، مع التأكيد على ضرورة منع طهران من امتلاك سلاح نووي تحت أي ظرف.
المفاوضات المرتقبة في باكستان ستواجه اختباراً عسيراً في ظل انعدام الثقة المتبادل والانتهاكات الميدانية المستمرة. ويرى مراقبون أن نجاح إسلام آباد في تقريب المسافات يعتمد على مدى مرونة الطرفين في ملفات السيادة الإقليمية والبرنامج النووي، وهي قضايا ظلت عالقة لعقود.
وتظل الأنظار شاخصة نحو يوم الجمعة، حيث سيتضح ما إذا كان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين سيتحول إلى هدنة مستدامة أم أنه مجرد استراحة محارب. إن الفجوة بين 'النقاط العشر' الإيرانية و'البنود الـ15' الأمريكية تعكس حجم التحديات التي تواجه الوفدين المفاوضين في العاصمة الباكستانية.
ختاماً، يبقى مصير المنطقة معلقاً بنتائج هذه الجولة، في ظل إصرار إسرائيلي على مواصلة العمليات في لبنان وفصلها عن المسار الإيراني. وإذا لم يتم التوصل إلى تفاهمات ملموسة بشأن مضيق هرمز واليورانيوم، فإن خيار العودة إلى المواجهة الشاملة يظل السيناريو الأكثر ترجيحاً.
المصدر:
القدس